التخطي إلى المحتوى

تتأرجح الأزمة الأمريكية الإيرانية في مرحلة دقيقة، حيث يتبادل الطرفان خيارات التصعيد والتهدئة في ظل حسابات سياسية واقتصادية معقّدة، لا سيما مع انتهاء مهلة مذكرة التفاهم التي اعتبرها بعض الخبراء أنها لم تُنتج نتائج ملموسة، لتعود الأطراف عملياً إلى نقطة البداية. وتشير التطورات المتلاحقة إلى أن إدارة واشنطن تسير بين خيارين: إما رفع مستوى الضغط عبر تحركات بحرية وعقوبات ومواقف تصعيدية، أو التوجه نحو مسار تفاوضي يخفف كلفة المواجهة ويعيد ضبط الإيقاع في المنطقة.

ومن الناحية العملية، فإن الأزمة لم تعد محصورة في مستوى الخطابات، بل انتقلت إلى حسابات أثر مباشر على الأسواق والملاحة البحرية. فارتفاع أسعار النفط وتذبذب الإمدادات المحتملة في مسارات بحرية حساسة يرفع تكلفة أي تصعيد، كما أن البيئة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة تزيد من حساسية القرارات المرتبطة بالمواجهة الخارجية. إلى جانب ذلك، تتزايد الضغوط المرتبطة بانتخابات التجديد النصفي، وهو ما يدفع الإدارة إلى التفكير في كيفية تقليل كلفة التوتر على الاقتصاد وعلى صورتها أمام الرأي العام.

وتعكس تصريحات خبراء العلاقات الدولية أن الأزمة تحولت إلى ما يشبه «منطقة وسطى»؛ أي أن لا أحد يحسم بالكامل خيار التصعيد أو التفاوض، لأن كلفة كلا المسارين مرتفعة. ويقول الدكتور أحمد سيد أحمد، خبير العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، إن المهلة الصادرة ضمن مذكرة التفاهم الموقعة في 17 يونيو الماضي انتهت عملياً منذ أسابيع، بعد أن وُصفت بأنها «ولدت ميتة» دون نتائج واضحة. ويرى أن التصعيد الأمريكي جاء بوصفه رداً على تهديد السفن وإغلاق المضيق، قبل أن تتحرك الأطراف بين مساري التصعيد والتفاوض دون توافق على أهداف نهائية أو جدول زمني فعّال.

ويضيف الخبير أن تعثر المفاوضات غالباً يدفع الطرفين نحو التصعيد، لكن في الوقت نفسه فإن فشل التصعيد يعيدهما إلى طاولة المفاوضات. وتُفسّر هذه الديناميكية حالة التذبذب المستمر، حيث تستند واشنطن إلى أدوات ضغط متعددة تشمل الملف البحري والاقتصادي، بينما تستند طهران إلى الردود التي تضمن عدم تقديم تنازلات في توقيت غير مناسب. وفي ظل هذا التعقيد، تصبح أي مبادرة تهدئة رهينة بمحصلة الحسابات السياسية والاقتصادية لدى الطرفين.

ومن أبرز القيود التي يراها سيد أحمد مؤثرة على الجانب الأمريكي: نقص الذخائر اللازمة للحشد أو الاستمرار في أي مواجهة، إضافة إلى ارتفاع أسعار النفط، وكذلك تزايد المعارضة داخل الولايات المتحدة لأي انزلاق نحو صدام أوسع. كما أن الضغوط المرتبطة بانتخابات التجديد النصفي تُسهم في دفع الإدارة نحو خيارات أقل كلفة وأكثر قابلية للتسويق سياسياً.

وبناءً على ذلك، تبرز فكرة أن فتح الممرات البحرية وتخفيف القيود على الملاحة قد يصبح أولوية لدى واشنطن، لما لذلك من أثر مزدوج: خفض أسعار النفط نسبياً أو الحد من موجات الارتفاع المرتبطة بالمخاطر، ومنح الحزب الجمهوري وحلفائه مساحة أكبر لتحسين موقفهم أمام الناخبين. غير أن المشهد لا يزال معقداً، إذ يشير الخبير إلى أن الرئيس السابق أو الإدارة الحالية لم تحقق مكاسب واضحة عبر مسار المفاوضات حتى الآن، وهو عامل يضع مصداقية المسار التفاوضي على المحك.

ولزيادة تعميق الصورة، يمكن القول إن أي تهدئة محتملة لا تُقاس فقط بالشكل الدبلوماسي، بل بقدرة الأطراف على الاتفاق على نقاط محددة قابلة للقياس مثل: آليات مراقبة الالتزامات، خطوات تخفيف التصعيد في البحر، وتفاهمات اقتصادية تقلل من مخاطر العقوبات والالتفافات التي تؤدي إلى استمرار النزيف في الأسواق. كما أن استعادة الاتزان تتطلب ضمانات بأن أي فتح للمضيق أو تخفيف للمخاطر لن يقابله تصعيد لاحق يُفقد التهدئة قيمتها.

في المحصلة، يبدو أن الأزمة الأمريكية الإيرانية تقف حالياً على حافة قرارين متنافسين: تصعيد يرفع الكلفة ويعزز المخاطر في الملاحة والاقتصاد، أو تفاوض قد يمنح هامشاً لخفض التوتر إذا توافر له مضمون واضح. وحتى تتضح ملامح مبادرة عملية تتضمن خطوات زمنية محددة، ستظل الأزمة في دائرة «ردّ فعل مقابل ردّ فعل»، حيث يُعاد إنتاج المسارين بين وقت وآخر، دون حسم نهائي يغيّر موازين اللعبة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *