شهد قطاع الصناعات الدوائية في مصر خلال السنوات الأخيرة تحولًا ملحوظًا نحو توطين صناعة الأدوية الاستراتيجية، في محاولة لتقليل الاعتماد على الاستيراد، وتعزيز قدرة الدولة على تأمين احتياجات السوق المحلية من المستحضرات الحيوية. وتأتي هذه الخطوة ضمن رؤية أوسع لبناء منظومة إنتاج دوائي أكثر استدامة، بما يضمن توفر الأدوية الأساسية حتى في ظل تقلبات سلاسل الإمداد العالمية.
## توطين الدواء كاستثمار طويل المدى
في هذا السياق، أكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن العقد الماضي شهد تنفيذًا لمشروعات توطين طالت مجالات حساسة في صناعة الدواء، مثل أدوية الأورام، ومشتقات الدم، والإنسولين، إضافة إلى توطين جزء من تصنيع المواد الخام. وأوضح عوف أن هذه الاستثمارات لا تقتصر على إنتاج أدوية بعينها، بل تعمل على ترسيخ قاعدة صناعية يمكن الاعتماد عليها لدعم احتياجات مصر لفترات طويلة.
وفي المقابل، أشارت النائبة الدكتورة إيرين سعيد إلى فاعلية الإنسولين المنتج محليًا، بما يعكس تطورًا في مستوى التصنيع وضمانات الجودة. كما لفت عوف إلى أن السوق يشهد—في الوقت الراهن—تحديات مرتبطة بالأسعار والنواقص، الأمر الذي يستدعي استمرار توطين المكونات والمنتجات لتقليل أثر الاضطرابات على توافر الدواء.
## كيف يدعم التوطين استقرار السوق؟
يرى علي عوف أن ما تم إنجازه في قطاع الدواء يمثل استثمارًا طويل الأجل، يُنتظر أن ينعكس على استقرار السوق من خلال زيادة الطاقة الإنتاجية محليًا، وتقليل الفجوات في المعروض، وتحسين قدرة شركات القطاع على مواجهة الطلب المتزايد. كما أكد أن المشروعات الجارية تستهدف بناء صناعة دوائية قادرة على تلبية احتياجات الأجيال المقبلة، وليس فقط التعامل مع ظروف آنية.
## مدينة الدواء ومصانع المواد الخام واللقاحات
من بين أبرز ملامح التقدم، أشار رئيس شعبة الأدوية إلى أن مصر نجحت في إقامة “مدينة الدواء”، ضمن مسار يهدف إلى تجميع الكيانات الصناعية الدوائية وتسهيل تطوير سلاسل القيمة. كما تم التركيز على إنشاء مصانع متخصصة لإنتاج المواد الخام واللقاحات، وهو ما يُعد عنصرًا محوريًا في تقليل الاعتماد على الخارج.
وأضاف عوف أن الدولة اتجهت كذلك إلى الدخول في شراكات مع شركات عالمية لتوطين صناعات دوائية مهمة، بما يساعد على نقل الخبرات، وتطوير سلاسل التصنيع، ورفع كفاءة الجودة والالتزام بالمعايير.
## مشتقات الدم.. إنجاز يعزز المكانة العالمية
كشف عوف عن أحد أبرز التطورات في الصناعة المصرية، وهو نجاح مصر في تصنيع مشتقات الدم، لتصبح واحدة من ثلاث دول عالميًا تمتلك هذه القدرة. ويُعد هذا النوع من الصناعات من أكثر المجالات تعقيدًا وحساسية من حيث التكنولوجيا وسلامة الجودة، ما يجعله مؤشرًا قويًا على تطور القدرات التصنيعية داخل البلاد.
وتابع أن الصناعة الدوائية المصرية حصلت أيضًا على اعتماد من هيئة الدواء الأوروبية، وهو ما يمثل خطوة مهمة لفتح المجال أمام المنتجات المصرية للوصول إلى الأسواق الخارجية والتوسع في التصدير. كما يمكن أن ينعكس هذا الاعتماد على تحسين تنافسية المنتجات وزيادة فرص نمو الشركات المحلية في الأسواق الدولية.
## معلومات إضافية تُعزز فهم مسار التوطين
يساعد توطين صناعة الدواء على تحقيق عدة أهداف متوازية، أبرزها:
– **تقليل فاتورة الاستيراد** عبر تصنيع مكونات أساسية محليًا بدلًا من الاعتماد على توريد كامل من الخارج.
– **تأمين توفر الأدوية الحساسة** مثل أدوية الأورام والإنسولين ومشتقات الدم، عبر تقليل تأثير تأخر الشحن أو تقلب الأسعار العالمية.
– **رفع متطلبات الجودة والرقابة** نتيجة الالتزام بمعايير دولية، خصوصًا عند وجود اعتمادات أو نوافذ تصدير.
– **دعم الابتكار وتطوير التصنيع** من خلال تحديث خطوط الإنتاج وإتاحة تدريب متخصص للعاملين في سلاسل الإنتاج والتعقيم والاختبار.
وفي ضوء استمرار تحديات تذبذب الأسعار وبقاء بعض النواقص، يظل توطين المكونات ورفع كفاءة الإنتاج وتوسيع الطاقة التصنيعية محليًا مسارًا رئيسيًا لتحقيق أمن دوائي حقيقي. وبذلك، لا يكون التوطين مجرد إنتاج بديل للاستيراد، بل تحولًا صناعيًا يعزز قدرة مصر على توفير الأدوية الأساسية وذات القيمة العالية للأجيال المقبلة.

التعليقات