حذّر الدكتور وليد حجاج، مستشار الهيئة الاستشارية العليا للأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، من خطورة تزايد استخدام «الدارك ويب» في ارتكاب الجرائم، مؤكدًا أن التحدي الأكبر لا يقتصر على المخاطر الافتراضية، بل يتمثل في انتقال آثار الجرائم من الفضاء الرقمي إلى الواقع المادي. ولفت حجاج إلى أن بعض الجرائم تبدأ عبر منصات غير ظاهرة للمستخدمين العاديين، ثم تتطور إلى وقائع حقيقية على الأرض، ما يضاعف حجم الأضرار على الأفراد والمجتمعات.
وأوضح خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية لبنى عسل ضمن برنامج «الحياة اليوم» على قناة الحياة، أن هناك نمطًا متزايدًا من الجرائم يقوم على استغلال الفضاء السيبراني كجسر للانتقال إلى التنفيذ الواقعي. وبيّن أن فئة من المستخدمين قد تحصل على سلع أو خدمات بطريقة غير مشروعة عبر الإنترنت، ثم تُترجم هذه العمليات لاحقًا إلى جرائم تُرتكب داخل المجتمع، مثل الاحتيال المنظم، أو توفير خدمات رقمية تتحول إلى تهديدات ملموسة، أو تسهيل عمليات مستهدفة تتطلب تواصلًا ميدانيًا أو تبادل بيانات يترتب عليه أذى فعلي.
وأشار مستشار الأمن السيبراني إلى أن «الدارك ويب» يظهر كأحد العوامل التي تتكرر في بعض صور الجريمة الحديثة، إلا أن هناك مفاهيم شائعة تحتاج إلى تصحيح. فالدّارك ويب ليس «إنترنت آخر» مخصصًا بالضرورة للأنشطة الإجرامية، بل هو جزء من شبكة الإنترنت يتيح مستويات أعلى من الخصوصية، ويعتمد على تقنيات تخفي مواقع الخوادم وهويات المستخدمين. وتترتب على هذه الخصوصية مخاطر إضافية عند سوء استخدامها، إذ يصبح تتبع الأنشطة غير المرغوبة أكثر تعقيدًا.
ولتعزيز الفهم، شدّد حجاج على أن الخطر الحقيقي ينبع من طريقة الاستخدام لا من التقنية بحد ذاتها. فالخصوصية قد تُستخدم بشكل مشروع في بعض السيناريوهات (مثل حماية الصحفيين أو المعارضين في بيئات شديدة الرقابة)، لكن في المقابل يمكن أن تُستغل لعمليات بيع وشراء غير قانوني، أو لتسهيل اختراق الحسابات، أو لتوزيع محتوى ضار، أو لتنفيذ مخططات احتيال تتلاعب بالضحايا نفسيًا عبر قنوات رقمية ثم تنتقل إلى الاستغلال الواقعي.
وأضاف أن مكافحة هذا النوع من التهديدات تتطلب وعيًا متزايدًا وإجراءات عملية، من أبرزها: رفع مستوى الثقافة الرقمية لدى المستخدمين وعدم الاستجابة لروابط أو عروض مشبوهة، توخي الحذر عند مشاركة البيانات الشخصية أو المالية، تفعيل الحماية الأساسية للأجهزة والحسابات عبر كلمات مرور قوية وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، وإجراء تحديثات دورية للأنظمة والبرامج لسد الثغرات. كما دعا إلى تعزيز التعاون بين الجهات المختصة والقطاع الخاص، وتطوير آليات الرصد والتحليل للكشف عن أنماط الجرائم التي تبدأ إلكترونيًا ثم تمتد إلى العالم الحقيقي.
واختتم حديثه بالتأكيد أن الفهم الدقيق لطبيعة الدارك ويب يساعد على الحد من التهويل غير المبرر، وفي الوقت نفسه يبرز ضرورة اتخاذ إجراءات وقائية فعّالة لأن الخصوصية العالية المصحوبة بإخفاء الهوية يمكن أن تكون بيئة خصبة لاستغلال المجرمين متى ما غابت الرقابة والوعي.

التعليقات