أكد الدكتور وليد حجاج، مستشار الهيئة الاستشارية العليا للأمن السيبراني وتكنولوجيا المعلومات، خلال مداخلة في برنامج “الحياة اليوم” على قناة الحياة، أن أخطر ما في عالم “الدارك ويب” ليس مجرد كونه مساحة رقمية غامضة، بل انتقال بعض الجرائم من البيئة الافتراضية إلى تأثيرات مباشرة على أرض الواقع. وأوضح أن الفضاء السيبراني لم يعد مجرد وسيلة لتبادل المعلومات، بل أصبح بيئة تُدار فيها عمليات إجرامية يتم التخطيط لها رقمياً، ثم تتحول إلى أفعال مادية عبر شراء وتسليم وتحريك منتجات محظورة أو تنفيذ تهديدات ملموسة.
وشدد الدكتور حجاج على أهمية تصحيح فهمٍ شائع لدى كثير من المستخدمين، وهو الاعتقاد بأن “الدارك ويب” هو إنترنت منفصل بالكامل عن شبكة الويب العالمية. وبيّن أن الدارك ويب جزء ضمن الإنترنت، لكنه مصمم لرفع مستويات الخصوصية عبر إخفاء تفاصيل مثل هوية الخوادم وبعض بيانات المستخدمين. وأشار إلى أن ذلك لا يعني بالضرورة أن كل ما يوجد بداخله غير قانوني، إذ توجد استخدامات مشروعة في بعض الحالات، مثل حماية الخصوصية لشرائح معينة أو دعم بيئات بحثية وتقنية، إلا أن المخاطر ترتفع عندما تُستغل تقنيات الإخفاء في أنشطة غير مشروعة.
وبيّن الخبير أن أبرز مجالات الاستغلال الإجرامي تشمل الاتجار بالأسلحة والمواد غير القانونية، وتبادل المخدرات، وبيع البيانات المسروقة مثل كلمات المرور والبيانات المالية والسجلات الشخصية، إضافة إلى استخدام منصات الدارك ويب كقنوات للتواصل والتنسيق من قبل جماعات متطرفة. وتزداد خطورة هذه الأنشطة عندما تتحول من مجرد صفقات رقمية إلى شبكات ممتدة تربط بين المشتريات والتهريب والتحويلات المالية وعمليات الترويع.
وعالج حجاج أيضاً فكرة أن “الدارك ويب” يخفي الهوية بنسبة 100%، مؤكداً أنها معلومة غير دقيقة. ولفت إلى أن المستخدم قد لا يرى أثر التتبّع، لكن الجهات المختصة في التحقيق الجنائي الرقمي تمتلك أدوات متطورة تسمح برصد آثار رقمية وربطها بسياقات يمكن تحليلها. وأوضح أن إخفاء الهوية قد ينجح مؤقتاً أمام المستخدم العادي، إلا أن ذلك لا يعني انعدام القدرة على كشف المجرمين، خصوصاً مع تطور تقنيات جمع الأدلة الرقمية وتحليل سلاسل البيانات.
واستشهد الدكتور حجاج بنتائج عمليات دولية ناجحة تعكس قدرة التعاون الأمني على تجاوز حدود المنصات المظلمة، من بينها عملية “رابتور” عام 2025 التي قادها “يوروبول” (Europol). وأفادت العملية بضبط ما يقرب من 270 شخصاً من البائعين والمشترين المرتبطين بأسواق مظلمة، وهو ما يبرز أن التكنولوجيا الحديثة لا تقتصر على تمكين الجريمة، بل تُستخدم أيضاً لتعقبها وإغلاق قنواتها.
كما أشار إلى اتجاه عالمي متزايد في التعامل مع هذه التحديات يتمثل في ما يعرف بـ “Dark Web Threat Intelligence” أي استخبارات تهديدات الشبكة المظلمة. ووفق هذا المفهوم، تُوظَّف أنظمة تحليل واستعلام لرصد التحركات الإجرامية بشكل مبكر وفهم طبيعة الأنشطة والأطراف والأساليب المستخدمة. وأكد أن التعاون بين الجهات الأمنية المحلية والدولية، إلى جانب تطور أدوات التحليل والذكاء الرقمي، جعل من الصعب على شبكات الجريمة أو الجماعات الإرهابية الاستمرار خلف الشاشات لفترات طويلة دون أن تُرصد آثارهم.
ولزيادة الفهم العام، شدد مستشار الأمن السيبراني على أن التهديدات لا تقف عند حدود “الدارك ويب” فقط، بل قد تمتد إلى أساليب مساندة مثل الاحتيال الإلكتروني، والتجنيد عبر منصات رقمية، وتسريب البيانات التي تؤثر على الضحايا في وظائفهم أو حياتهم المالية أو أمنهم الشخصي. لذلك، فإن التصدي لهذه المخاطر يتطلب مزيجاً من الوعي لدى المستخدمين، وجهود الجهات المختصة، وتحسين الأنظمة التي تلتقط الإشارات المبكرة وتقلل فرص نجاح الجرائم العابرة للحدود.
وفي الختام، أكد الدكتور وليد حجاج أن مواجهة جرائم الدارك ويب لم تعد تقتصر على تتبع عمليات بيع وشراء فقط، بل تشمل استباق التهديد عبر تحليل البيانات، وتعزيز التعاون، واستخدام الذكاء الرقمي لتقليص الفجوة بين تطور أساليب المخالفين وقدرة الجهات الأمنية على كشفهم.

التعليقات