تواصل شركة سبيس إكس ترسيخ حضورها في قطاع الإطلاق الفضائي بوتيرة متسارعة، بعدما حققت رقماً قياسياً جديداً لأقصر فترة زمنية بين رحلاتها المدارية، عبر إطلاق صاروخين من طراز فالكون 9 في يوم واحد بفارق زمني لا يتجاوز 38 دقيقة. ويمثل هذا الإنجاز جزءاً من استراتيجية أوسع تدفع بتوسع كوكبة ستارلينك لخدمة الإنترنت فائق السرعة، التي تضم حالياً ما يقارب 11,000 قمراً صناعياً وما زال العدد في نمو مستمر.
كيف تبدو تفاصيل إطلاقَي السبت؟
وفقاً لما نقلته تقارير صحفية، انطلق الصاروخ الأول من محطة كيب كانافيرال التابعة لقوات الفضاء الأمريكية في ولاية فلوريدا، حاملاً ثمانية أقمار صناعية إلى مدار أرضي منخفض لصالح شركة الاتصالات “جلوبال ستار” ومقرها في لويزيانا. وبحسب إعلان سبيس إكس عبر قنواتها الرسمية، نجحت جميع المركبات الفضائية الثمانية في الوصول إلى مدارها، حيث تم فصلها خلال ست دقائق تقريباً بدءاً من الدقيقة 56.5 بعد الإطلاق.
في التوقيت نفسه تقريباً، عملت سبيس إكس على إطلاق ثانٍ من قاعدة فاندنبرج الفضائية على الساحل الأوسط لولاية كاليفورنيا. وقد جاءت هذه المهمة ضمن سياق مهام القوات الفضائية الأمريكية، وتحمل تسمية USSF-366، وتشير التغطيات إلى أن الحمولة تتضمن أقماراً صناعية “سرية” مرتبطة بالأمن القومي. ومن المرجح أن تكون هذه الأقمار مبنية على منصة “ستار شيلد” الخاصة بسبيس إكس للأقمار الصناعية في المدارات المنخفضة، وهو ما يرجّحه التشابه في توقيتات وإعدادات مناطق إطلاق مراحل الصاروخ مع إطلاقات سابقة ضمن منظومة ستارلينك 15.
لماذا بقي توقيت المرحلة العليا ومكانها غير واضح؟
لم تُفصح سبيس إكس عن تفاصيل إضافية حول متى وأين سيتم إطلاق المرحلة العليا الخاصة بحمولة USSF-366، كما أن الشركة عادةً لا تطيل البث المباشر بعد هبوط المرحلة الأولى من الصاروخ، خصوصاً في مهام “الأمن القومي”. لذلك ظلّت معلومات دقيقة عن تسلسل الفصل النهائي للأجزاء والبيانات الملاحية التفصيلية للحمولة ضمن نطاق غير معلن.
نجاحات هبوط الصواريخ وإعادة الاستخدام
شهدت مهمتا السبت عودة ناجحة للمرحلة الأولى من فالكون 9. بالنسبة لمهمة جلوبال ستار، عادت المرحلة الأولى وهبطت في كيب كانافيرال بعد نحو ثماني دقائق من الإطلاق، وكانت هذه الرحلة الرابعة عشرة لذلك الصاروخ تحديداً. وفي مهمة USSF-366، عادت المرحلة الأولى بعد حوالي 8.5 دقائق وهبطت في المحيط الهادئ على متن سفينة سبيس إكس المسيرة، وهي قفزة تعكس مستوى الاعتمادية والتخطيط الذي تراكم لدى الشركة مع تكرار رحلات الإطلاق والهبوط.
دلالات الرقم القياسي على وتيرة الصناعة
أهمية الإطلاقين المتقاربين تكمن في انعكاسها على قدرة سبيس إكس على إدارة “دورة الإطلاق” بسرعة: تجهيز الصاروخ، والتحقق من الأنظمة، وتنفيذ مسار الإطلاق من موقعين مختلفين، ثم القيام بعمليات الهبوط وإعادة الاستخدام خلال وقت قصير. وبحسب الأرقام المرتبطة بتتبع عمليات الإطلاق، أدى إطلاق فالكون 9 مرتين في يوم واحد إلى رفع إجمالي عمليات الإطلاق في عام 2026 إلى 96 عملية، شكلت مهام ستارلينك منها غالبية كبرى بلغت نحو 75%.
ولكي تتضح الصورة بصورة أكبر: هذا التركيز العالي على ستارلينك لا يرتبط فقط بزيادة العدد، بل يهدف أيضاً إلى تحسين تغطية الخدمة، ورفع موثوقية الاتصال، وتوزيع السواتل بشكل أدق داخل المدارات، مع استمرار عمليات الإطلاق التي تضمن استمرار “السحب التدريجي” نحو تشكيلات أكثر كفاءة.
ما القادم؟
مع استمرار توسع ستارلينك، ومع تزايد حجم مهام المدارات المنخفضة التي تتضمن إطلاقات تجارية وأخرى حكومية، تتوقع التقارير أن تواصل سبيس إكس رفع وتيرة الإطلاقات وتحسين الكفاءة التشغيلية لعمليات إعادة الاستخدام. والرقم القياسي الجديد الذي تحققه الشركة عبر إطلاقين بفارق 38 دقيقة يضع معياراً أعلى لقدرة الصناعة على تنفيذ رحلات مدارية متعددة بسرعة، وهو ما يعني عملياً استمرار السباق نحو توسيع البنية الفضائية بوتيرة أسرع وأكثر انتظاماً.

التعليقات