التخطي إلى المحتوى

حذّرت الدكتورة ميساء عبدالخالق، الباحثة في العلاقات الدولية، من أن استمرار التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان—بالتوازي مع تعثر المسار التفاوضي—قد يدفع المنطقة نحو جولة جديدة من المواجهات. وأشارت إلى أن استمرار الغارات الجوية وعمليات الهدم وتجريف الأراضي في عدد من المناطق يفاقم المخاوف من تحول الاشتباكات إلى واقع أكثر رسوخًا، بما ينعكس على فرص الوصول إلى تهدئة طويلة الأمد.

وبحسب عبدالخالق، فإن مستقبل المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بات أكثر غموضًا في ظل استمرار الانتهاكات والتصعيد الميداني. فبينما تؤكد بيروت تمسّكها بوقف إطلاق النار، وتطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية من القرى والبلدات التي تحتلها، تضع إسرائيل على رأس مطالبها ملف نزع سلاح حزب الله، وهو ما يخلق فجوة كبيرة بين الموقفين. ولفتت إلى أن هذا التباعد في الأولويات—إلى جانب استمرار العمليات العسكرية—يشكّل ضغطًا متزايدًا على الحكومة اللبنانية ويؤثر في قدرتها على إدارة الملفات التفاوضية داخليًا وخارجيًا.

وأوضحت أن تصاعد العمليات يضع الدولة اللبنانية أمام تحديات سياسية وأمنية متشابكة، خصوصًا مع وجود اختلافات داخلية حول شكل المفاوضات ومسارها. وأكدت أن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى توسيع دائرة المواجهة، ليس فقط على مستوى الجبهة العسكرية، بل أيضًا على مستوى انعكاساته الاقتصادية والإنسانية، بما يزيد من صعوبة احتواء الأزمة في حال طال أمدها.

ورأت الباحثة أن إسرائيل تعتمد سياسة يمكن وصفها بـ“الضغط بالنار”، عبر تكثيف العمليات العسكرية بهدف تعزيز موقفها التفاوضي وفرض شروط أكثر توافقًا مع مصالحها. وذكرت أن تل أبيب لا تكتفي بالضغط العسكري المباشر، بل تسعى كذلك إلى ترسيخ واقع أمني جديد من خلال الإبقاء على منطقة أو مناطق أمنية في جنوب لبنان. وأشارت إلى أن تكريس هذا الواقع قد يفرض تحديات أمام أي اتفاق مستقبلي لإنهاء التصعيد، لأن أي ترتيبات لاحقة ستكون مضطرة للتعامل مع تغيّرات ميدانية وجغرافية حصلت بالفعل.

وفي سياق متصل، شددت عبدالخالق على أن طبيعة العمليات في الجنوب تتجاوز القصف الجوي والمدفعي، لتشمل هدم المنازل وتجريف الأراضي، الأمر الذي يغيّر ملامح مناطق كاملة ويعيد تشكيل بنيتها الجغرافية والأمنية. وأكدت أن استمرار تدمير القرى والبلدات قد يجعل أجزاء من الجنوب غير صالحة للحياة على نحو يخلّف آثارًا ممتدة، ويحول التواجد أو السيطرة الميدانية من حالة مؤقتة إلى واقع طويل الأمد.

وحذرت من أن هذا السيناريو سيزيد من تعقيدات أي تسوية سياسية مقبلة، خصوصًا إذا استمر التصعيد بالتزامن مع تعثر المفاوضات. واعتبرت أن طول الأزمة ورفع كلفة الوصول إلى اتفاق مستدام قد يكونا من النتائج المحتملة، لا سيما مع تزايد الحاجة إلى ضمانات قابلة للتنفيذ وتفاهمات حول آليات الانسحاب والترتيبات الأمنية ومخاطر تكرار المواجهات.

وأضافت عبدالخالق أن معالجة هذه المخاطر تتطلب انتقالًا سريعًا من منطق “فرض الوقائع” إلى منطق “تثبيت وقف إطلاق نار” بشروط واضحة، مع التزام بتوافقات تضمن حماية المدنيين واستعادة الحدود والمناطق المتأثرة لوظائفها الطبيعية. كما شددت على أهمية أن تراعي أي تسوية محتملة مفاعيل الهدم والتجريف على الأرض، لأن هذه المفاعيل لا تُحلّ بالشعارات بل تحتاج إلى خطط عملية لإعادة الإعمار وإعادة ترتيبات الحياة والخدمات، بما يقلل احتمالات انهيار التهدئة أو عودة القتال.

في المحصلة، ترى الباحثة أن التصعيد الحالي—وإذا استمر—قد يقود المنطقة إلى مرحلة أكثر تقلبًا، حيث تصبح المفاوضات أصعب، وتزداد احتمالات فقدان السيطرة على مسار الأحداث، ما يستدعي تحركًا دبلوماسيًا عاجلًا لمنع تحويل الأزمة إلى جولة أطول وأكثر تكلفة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *