التخطي إلى المحتوى

يشهد الاقتصاد المصري خلال الفترة الحالية مجموعة من التحديات المتداخلة، إلا أن خبراء الاقتصاد يرون أن “سعر الصرف” لا يعد التحدي الأكبر بالقدر الذي تثيره مؤشرات أخرى مثل ارتفاع الفائدة وتكلفة خدمة الدين. ويؤكد أستاذ التمويل والاقتصاد هشام إبراهيم أن السياسة النقدية تمتلك أدوات تساعد على امتصاص الصدمات الناتجة عن تعقيدات المشهد الجيوسياسي، خصوصًا مع ما تحقق من مرونة في سعر الصرف.

وأوضح إبراهيم أن مرونة سعر الصرف ساعدت الجنيه على التعامل مع التقلبات بدلًا من تثبيت السعر ثم اللجوء إلى تحريك مفاجئ، وهو ما يقلل من صدمات السوق ويمنح الاقتصاد هامشًا للتكيف. ومع ذلك، لفت إلى أن لهذه المرونة جانبًا سلبيًا قد يظهر في سلوك بعض التجار، عبر التسعير المرتفع للدولار تحسبًا لاحتمالات صعوده، ما قد ينعكس على معدلات الأسعار والتضخم في بعض القطاعات.

وللحد من أثر التسعير غير المبرر، شدد إبراهيم على أن مسؤولية ضبط الممارسات ليست على عاتق الدولة وحدها. فالمستهلك يملك دورًا مؤثرًا من خلال قرار الشراء واختيار السلع ذات التسعير المنطقي، بما يخلق ضغطًا في السوق لتقليل المبالغة في الأسعار. كما دعا إلى زيادة الوعي لدى المستهلكين حول مقارنة الأسعار وملاحظة التفاوتات التي لا ترتبط بتغيرات حقيقية في التكلفة.

### الفائدة والدين الداخلي: ضغط مباشر على المالية العامة
من بين أبرز التحديات التي تواجه الاقتصاد المصري، يشير إبراهيم إلى ارتفاع أسعار الفائدة بوصفه عاملًا مؤثرًا على تكلفة التمويل، خاصة في ظل استمرار ارتفاع حجم الدين الداخلي وارتفاع نفقات خدمة هذا الدين. ويرى أن خفض الفائدة يعد من الحلول المحتملة، لكنه ليس الخيار الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه بمفرده.

وأكد أن معالجة عجز الموازنة عبر ضبط الإنفاق وتحسين كفاءة تحصيل الإيرادات، إضافة إلى تطوير إدارة الدين، يمكن أن تخفف من الضغوط على المالية العامة. كذلك فإن رفع كفاءة الأصول الحكومية وإتاحة مساحات أكبر للاستثمار في هذه الأصول قد يساهم في خلق موارد تمويلية جديدة بدلًا من الاعتماد الكثيف على أدوات الدين.

وتأتي أهمية تحسين إدارة المالية العامة لتقليل الضغط المتراكم على الاقتصاد، لأن ارتفاع الفائدة لا يؤثر على الاقتراض الحكومي فقط، بل يمتد أيضًا إلى تكاليف التمويل لدى القطاع الخاص، ما قد ينعكس على قرارات الاستثمار والتوسع.

### تحويلات المصريين بالخارج وقناة السويس: سند للنقد الأجنبي
يرى إبراهيم أن تحويلات المصريين العاملين في الخارج تمثل مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي، وتأتي ضمن أبرز تدفقات العملة الصعبة بعد الصادرات. كما يشير إلى التحسن التدريجي في تدفقات قناة السويس، ما يعزز قدرة الاقتصاد على تلبية احتياجاته من العملات الأجنبية.

ومع استمرار حالة عدم اليقين عالميًا، يزداد دور مصادر النقد الأجنبي غير المرتبطة بتقلبات قصيرة الأجل. ففي العادة، تسهم التحويلات في دعم الاستقرار النسبي لميزان المدفوعات، وتوفر سيولة خارجية تساعد على إدارة الاستيراد وتمويل الاحتياجات الأساسية.

### النمو الاقتصادي في سياق صعب: 5.2% حتى الآن
وعلى الرغم من التحديات، يشير إبراهيم إلى أن معدل النمو الاقتصادي بنحو 5.2% يمثل أداءً جيدًا في ظل الظروف الجيوسياسية الحالية، مؤكدًا أن الاقتصاد تمكن حتى الآن من استيعاب آثار الأزمة بدرجة أفضل مقارنة ببعض الأزمات السابقة. ويعزى ذلك جزئيًا إلى تنوع مصادر الدخل وإلى تحركات السياسة الاقتصادية التي تهدف لتقليل أثر الصدمات.

كما أن استمرار تحريك عجلة النشاط عبر برامج واستثمارات كبرى يساهم في خلق فرص عمل، ودعم النمو، وتحسين مؤشرات الطلب المحلي. ومن الأمثلة التي يشير إليها إبراهيم المشروعات الكبرى مثل “رأس الحكمة”، حيث لا تقتصر فوائدها على توفير تدفقات نقد أجنبي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى دعم قطاعات اقتصادية مرتبطة بالبنية التحتية والتشييد والخدمات.

### مخاطر إضافية: الطاقة واضطرابات الإمدادات العالمية
ضمن سياق المناقشات الاقتصادية، تأتي تصريحات إبراهيم على خلفية تقرير لمورجان ستانلي بشأن آفاق الاقتصاد المصري. وتشير المؤسسة إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة واضطرابات الإمدادات العالمية تمثلان مخاطر مهمة على اقتصادات المنطقة، بما قد يرفع تكلفة الإنتاج ويؤثر على سلاسل التوريد والتسعير.

ومن منظور أشمل، فإن تقلبات الطاقة قد تؤدي إلى ضغوط على مكونات التضخم، بينما قد تسبب اضطرابات الإمدادات ارتفاعًا في كلفة بعض السلع الوسيطة والنهائية، وهو ما يزيد من أهمية تبني سياسات داعمة لتحسين الإنتاجية وتقليل الاعتماد على المدخلات الأكثر تعرضًا للتقلبات.

### خلاصة: الطريق يبدأ بضبط التضخم وتقليل تكلفة التمويل
يؤكد الخبراء أن الطريق نحو الاستقرار الاقتصادي يتطلب توازنًا بين أدوات السياسة النقدية وتحسين إدارة المالية العامة. فمرونة سعر الصرف تظل عاملًا يساعد على امتصاص الصدمات، لكن نجاحها يرتبط أيضًا بقدرة السوق على ضبط التسعير دون مبالغة، إلى جانب استمرار الجهود لخفض تكلفة التمويل وتقليل ضغط الدين الداخلي.

وفي المقابل، يظل دعم النقد الأجنبي عبر تحويلات العاملين بالخارج وقناة السويس عاملًا محوريًا لرفع مرونة الاقتصاد أمام تقلبات الأسواق العالمية. ومع استمرار تحسن مؤشرات النمو وتفعيل مشروعات استثمارية كبرى، تتزايد فرص تجاوز جزء من التحديات، بشرط مواصلة الإصلاحات المرتكزة على الكفاءة والانضباط المالي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *