تتجه الدولة خلال الفترة المقبلة إلى تشديد الرقابة على السوق العقارية، في إطار توجيهات رئاسية تهدف إلى إعادة تنظيم المنظومة وحماية حقوق المواطنين، بالتزامن مع خطوات حكومية تشمل فحص المشروعات والتأكد من جاهزية المطورين وقدرتهم على تنفيذ التزاماتهم تجاه العملاء.
وفي هذا السياق، أكد النائب عمرو درويش، عضو مجلس النواب، أن التوجهات الجديدة تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الحوكمة داخل القطاع العقاري، خصوصاً مع تنوع شكاوى المواطنين المتعلقة بتأخر تسليم الوحدات لفترات طويلة، إضافة إلى حالات تم فيها تسليم وحدات لا تتطابق مع المواصفات والشروط المتفق عليها عند التعاقد. وأوضح أن الهدف لا يقتصر على التدقيق الورقي فقط، بل يمتد ليشمل متابعة قدرة المطورين على الالتزام بالتعهدات المالية والتنفيذية.
وتشير الخطوات المرتقبة إلى اعتماد نهج أكثر صرامة لضبط العلاقة بين أطراف التعاقد، عبر وضع ضوابط تحد من الإخلال بحقوق المشترين. ومن المقرر أن تتضمن الرقابة التحقق من مدى التزام الشركات بالجدول الزمني للمشروع، ومدى تطابق التنفيذ مع المخططات والمواصفات المعتمدة، بجانب مراجعة ما إذا كانت الموارد المتاحة تسمح بالاستكمال الفعلي دون الاعتماد المفرط على أموال العملاء.
فحص المشروعات العقارية على مستوى الجمهورية
ولفت درويش إلى تشكيل لجنة حكومية متخصصة تتولى المرور على المشروعات العقارية في مختلف أنحاء الجمهورية، للوقوف على أوضاعها ومدى جدية الشركات القائمة على تنفيذها. ومن أبرز الملفات التي سيجري فحصها: التحقق من توافر الملاءة المالية لدى المطور العقاري، بما يضمن وجود الموارد اللازمة لاستكمال الأعمال وعدم تحويل تمويل البناء إلى رهينة لتدفقات أموال المشترين فقط.
وتستهدف الإجراءات كذلك مواجهة تحدٍ متكرر في السوق، يتمثل في قيام بعض الشركات بالبدء بتنفيذ المشروعات على مراحل وفقاً لحجم المبيعات، وهو ما قد يفضي إلى تعثر التنفيذ أو تأخر تسليم الوحدات. كما تسعى الدولة إلى تقليل تكرار مشكلات “الاستكمال غير المكتمل” من خلال ربط الاستمرار في التنفيذ بمعايير واضحة للالتزام والقدرة التمويلية.
ومن بين الملفات ذات الأولوية الحد من ظاهرة “تسقيع الأراضي”، والتي تقوم على الاحتفاظ بالأراضي بغرض تحقيق مكاسب عبر إعادة بيعها أو الاستفادة من ارتفاع قيمتها، بدلاً من توجيهها نحو التنمية وإقامة مشروعات حقيقية. ويُنظر إلى معالجة هذه الظاهرة بوصفها خطوة تؤثر بشكل مباشر في خفض الضغوط التي قد تنعكس على أسعار الوحدات العقارية، وتدعم زيادة المعروض الفعلي.
العقود وآليات التنفيذ تحت المراجعة
وأكد النائب أن معالجة مشكلات السوق العقارية لا تتوقف عند إصدار تشريعات جديدة فقط، بل تتطلب مراجعة آليات تطبيق القوانين وصياغة العقود المبرمة بين الشركات والمواطنين. وأوضح أن بعض الإشكاليات تنشأ نتيجة بنود تعاقدية قد تمنح الشركة مساحة أكبر لتعديل الالتزامات أو تحميل المشتري أعباء إضافية بعد إتمام التعاقد، وهو ما يستدعي قواعد أكثر وضوحاً لضمان عدالة العلاقة بين الطرفين.
وتشمل المراجعة المقترحة تعزيز الشفافية في صياغة الالتزامات، وتحديد ضوابط واضحة لمواعيد التسليم ومعايير المطابقة للمواصفات، وتفعيل آليات تعاقدية تقلل احتمالات النزاع. كما يُتوقع أن تتجه الإجراءات إلى تقوية المساءلة حال حدوث تأخير أو إخلال بالتنفيذ، بحيث لا تتحول تعهدات الشركات إلى “وعود شكلية” دون ضمانات عملية.
وأضاف درويش أن مجلس النواب سيكون مستعداً لمناقشة أي تعديلات تشريعية مطلوبة لضبط السوق وسد الثغرات التي قد تسمح باستغلال المواطنين أو الإخلال بحقوقهم التعاقدية، مشيراً إلى أن ذلك سيأتي بالتزامن مع استئناف جلساته في أكتوبر المقبل.
توجيهات جديدة بشأن الشواطئ العامة
وفي ملف موازٍ، تناول النائب درويش التوجيهات الرئاسية المتعلقة بالشواطئ، معتبراً أنها تمثل تحولاً مهماً في طريقة التعامل مع الموارد العامة. وأكد ضرورة الحفاظ على حق المواطنين في الوصول إلى الشواطئ وعدم السماح بتحويلها إلى موارد حصرية لصالح جهات أو كيانات استثمارية بعينها.
وشدد على أهمية ضمان إتاحة الشواطئ العامة للمواطنين على البحرين الأحمر والمتوسط، مع الالتزام في الوقت نفسه بالقواعد والقوانين المنظمة لاستغلال الأراضي والمناطق السياحية. ويركز الاتجاه العام على تحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار بما يدعم التنمية الاقتصادية، وبين صون حق المواطنين في الانتفاع بالممتلكات العامة دون قيود غير مبررة تحول دون وصولهم.
وبوجه عام، تعكس هذه التحركات رغبة في نقل إدارة القطاع العقاري وملفات الموارد العامة من مرحلة الإجراءات المتفرقة إلى إطار أكثر انضباطاً ورقابة، مع وضع ضمانات عملية تقلل المخاطر على المشترين، وتدعم في الوقت نفسه استدامة التنمية وتحسين جودة المشروعات بما يحقق مصلحة المجتمع.

التعليقات