حذّر الدكتور أسامة عبدالحي، نقيب أطباء مصر ورئيس اتحاد النقابات المهنية، من خطورة التوسع العشوائي في إنشاء كليات الطب وزيادة أعداد المقبولين فيها، مؤكدًا أن الهدف الحقيقي ليس رفع عدد الأطباء فقط، بل ضمان أن يكون الطبيب مؤهلًا طبيًا قادرًا على تقديم رعاية آمنة وفعّالة. وأوضح عبدالحي أن زيادة أعداد الأطباء مطلوبة لمواجهة احتياجات المنظومة الصحية، غير أن ذلك يجب أن يتم وفق ضوابط صارمة تضمن جودة التعليم والتدريب السريري.
وخلال مداخلة هاتفية مع الإعلامي سيد علي في برنامج «حضرة المواطن» عبر قناة الحدث اليوم، شدّد نقيب الأطباء على أن النقابة ليست ضد التوسع أو ضد تخريج مزيد من الأطباء، لكنها ترفض أن تحدث الزيادة دون توفير الإمكانات التعليمية اللازمة، ودون تأمين تدريب عملي حقيقي داخل بيئة طبية قادرة على استيعاب المتدربين وتقديم حالات مرضية متنوعة. وأكد أن الطبيب الذي يتخرج دون تدريب سريري كافٍ يمثل خطرًا مزدوجًا؛ على الممارس نفسه وعلى المريض، لأن نقص الكفاءة الإكلينيكية قد يؤدي إلى أخطاء في التشخيص أو العلاج أو التعامل مع الحالات الطارئة.
كما ركّز عبدالحي على أن دراسة الطب لا يمكن أن تُبنى على الجانب النظري وحده، لأن التعليم الطبي في أساسه قائم على الملاحظة المباشرة والتدريب تحت الإشراف واكتساب المهارات الإكلينيكية في المستشفيات. وأشار إلى أن وجود مستشفى جامعي مجهز للتدريب العملي يعد شرطًا أساسيًا لا غنى عنه، ولا يجوز منح شهادة الطب دون تدريب فعلي داخل مستشفيات جامعية أو تعليمية قادرة على تأهيل الطالب علميًا وعمليًا، وتوفير بيئة تعليمية تعتمد على الإشراف والتقييم المستمر.
ومن جانب آخر، كشف نقيب الأطباء عن وجود كليات طب تقبل طلابًا بمجاميع منخفضة نسبيًا وصلت في بعض الحالات إلى نحو 57%، مؤكدًا أن ذلك يثير تساؤلات حول مستوى الطلاب المقبولين ومدى توافق معايير القبول مع متطلبات كليات الطب، فضلًا عن مدى توفير التدريب السريري المناسب لضمان تخرج طبيب بكفاءة. وشدد على أن معايير القبول يجب أن تكون منسجمة مع قدرات التعليم والتدريب في الكلية والمستشفيات المرتبطة بها.
وأضاف عبدالحي أن منظومة التعليم الطبي تتأثر بشكل مباشر بقدرة المستشفيات الجامعية على استيعاب الأعداد المتزايدة من الطلاب، مشيرًا إلى أن زيادة المقبولين دون توسعة قاعات الدراسة والمعامل ومراكز التدريب السريري والإشراف الأكاديمي قد تؤدي إلى تراجع جودة التدريب. كما لفت إلى أهمية وجود خطط واضحة لعدد الطلاب في كل فرع تدريبي، ونِسب تدريب عملية محددة، وآليات تقييم دورية تضمن تحقق مخرجات التعلم المطلوبة.
وطالب عبدالحي وزارة التعليم العالي والجهات المعنية بالتدخل لضبط منظومة القبول بكليات الطب، ووضع معايير دقيقة وواضحة تضمن أن يكون التوسع في أعداد الطلاب متناسبًا مع الإمكانات التعليمية والتدريبية المتاحة، سواء على مستوى الكلية أو المستشفيات. وأوضح أن الأمر لا يتعلق فقط بعدد الأطباء الذين يتم تخريجهم سنويًا، بل بجودة الطبيب وقدرته على التعامل مع المرضى بكفاءة وبمنهجية طبية آمنة.
وأكد أن سوق العمل والمنظومة الصحية تحتاج إلى أطباء أكثر في بعض التخصصات والمناطق، إلا أن سد العجز لا يجب أن يتم على حساب جودة التعليم والتدريب، لأن أي خلل في تأهيل الطبيب سينعكس مباشرة على مستوى الخدمة الطبية وسلامة المرضى. وختم بالتأكيد أن الحفاظ على مستوى التعليم الطبي يجب أن يكون أولوية عند رسم سياسات التوسع في إنشاء كليات الطب وزيادة أعداد المقبولين، بما يضمن مخرجات تعليمية حقيقية تتوافق مع متطلبات الواقع الصحي.

التعليقات