التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور ثروت إمبابي، الأستاذ المساعد بكلية الزراعة في جامعة بنها، أن بناء مستقبل مصر لا ينبغي أن يقتصر على رصد التحديات فقط، بل يتطلب أيضًا امتلاك القدرة على اكتشاف الفرص الكامنة داخل الموارد المحلية وتحويلها إلى قيمة اقتصادية ملموسة. وتتمحور الرؤية حول سؤال جوهري: أين نريد أن تكون مصر خلال السنوات العشر المقبلة؟ وما القطاعات التي تستحق الأولوية والاستثمار لتحقيق قفزة تنموية حقيقية؟

تحويل المحافظات والقرى إلى مراكز إنتاج فعلية

وأوضح إمبابي، خلال استضافته في برنامج «ناسنا» المذاع على فضائية المحور، أن الرؤية التنموية يجب أن تستهدف تحويل كل محافظة وقرية ونجع إلى مركز إنتاج يعتمد على دعم الصناعة والحرف والاستفادة من الإمكانات المحلية. فمصر تمتلك تنوعًا كبيرًا في الموارد والثروات، لكن تحويل هذه الثروات إلى منتجات ذات جودة وقيمة تنافسية يتطلب عقولًا قادرة على الإدارة والتطوير والابتكار، فضلًا عن منظومة متكاملة تجمع بين الإنتاج والتصنيع والتسويق.

وأضاف أن نجاح هذا المسار يتطلب ربط الإنتاج المحلي بسلاسل قيمة واضحة؛ بدءًا من اختيار المحاصيل والمواد الخام وفق احتياج السوق، وصولًا إلى التصنيع والتعبئة والتغليف، ثم التوزيع عبر قنوات بيع فعّالة داخلية وخارجية.

صناعة «براندات» مصرية بهوية تاريخية وثقافية

وشدد إمبابي على أهمية بناء علامات تجارية مصرية «براندات» تحمل هوية التاريخ والحضارة المصرية. فالمنافسة لم تعد محصورة في السعر فقط، بل أصبحت ترتبط بقوة العلامة وجودة المنتج والقدرة على الوصول إلى المستهلك. لذلك فإن بناء صورة ذهنية مصرية لمنتجات محلية—سواء زراعية أو حرفية أو غذائية—يمكن أن يفتح أسواقًا جديدة ويعزز الصادرات.

ومن الأفكار الداعمة التي يمكن تبنيها في هذا السياق: إنشاء مسارات تدريب للمصنعين والحرفيين على تصميم العلامات، معايير الجودة، ومهارات التسويق الرقمي، بما يضمن أن المنتج المحلي قادر على المنافسة في الأسواق الحديثة.

الجامعات كمحركات للابتكار لا كمراكز للتلقين فقط

أكد إمبابي أن الجامعات المصرية يجب أن تتحول إلى منصات لصناعة الأفكار وتطوير حلول عملية للواقع، عبر الربط بين البحث العلمي واحتياجات الصناعة والمجتمع. كما شدد على ضرورة أن يكون الشباب شركاء أساسيين في بناء المستقبل من خلال ريادة الأعمال والمشروعات الإنتاجية، بما يسهم في خلق فرص عمل حقيقية ويزيد من قدرة الاقتصاد على الاستدامة.

ولتسريع هذا التحول، يمكن توسيع برامج الحاضنات ومراكز الابتكار داخل الجامعات، وربطها بمؤسسات الإنتاج القائمة في المحافظات، وتشجيع براءات الاختراع وحلول تحسين سلاسل الإمداد وتقليل الفاقد.

تعزيز قدرة الاقتصاد المصري عبر مبادرات تنموية متوازنة

وأشار إمبابي إلى أن التنمية الحقيقية لا تقوم على الأمنيات أو الشعارات، بل على أهداف واضحة تتحول إلى واقع عبر التخطيط والعمل والإرادة. ولفت إلى أن المبادرات التنموية التي أطلقتها الدولة منذ عام 2014 تهدف إلى تحقيق تنمية متوازنة وتعزيز قدرة الاقتصاد المصري على المنافسة، من خلال استثمار مقومات كل منطقة وتحويل القرى والنجوع إلى وحدات إنتاجية فاعلة.

كما يرتبط هذا المسار—وفقًا لتوجهات التنمية الشاملة—بتحسين البنية التحتية الداعمة للإنتاج، وتسهيل وصول المنتجين إلى التمويل، وتدعيم الخدمات اللوجستية والتخزين والنقل، بما يضمن وصول المنتج بجودة أعلى وبكلفة أقل.

اقتصاد أقوى قائم على تمكين الشباب والموارد المحلية

وأضاف أن تمكين الشباب من إقامة مشروعاتهم وتعظيم الاستفادة من الموارد المحلية يمثل خطوة أساسية نحو بناء اقتصاد أكثر قوة واستدامة. وعندما يصبح كل مورد مصري فرصة للنمو، وكل منطقة مركزًا للإنتاج والعطاء، تتحقق دائرة تنمية متكاملة: إنتاج يزيد فرص العمل، وفرص العمل تدعم الاستهلاك والاستثمار، والاستثمار يعزز التنافسية ويخلق قيمة اقتصادية جديدة.

وفي النهاية، فإن رؤية تحويل كل قرية إلى مركز إنتاج وثروة لا تتوقف عند فكرة عامة، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة من التخطيط، وبناء القدرات، ودعم الابتكار، وتشجيع ريادة الأعمال، ورفع جودة المنتج المحلي—لتصبح مصر خلال العقد القادم أكثر قدرة على تحويل مواردها إلى نمو حقيقي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *