أكدت مونيكا ويليم، زميلة أكاديمية العلوم الروسية للدراسات الاستشرافية بموسكو والباحثة في العلاقات الدولية، أن أوكرانيا بدّلت خلال الفترة الأخيرة من أسلوب تحركاتها العسكرية، عبر توجيه ضربات إلى مواقع داخل العمق الروسي. ويشمل ذلك مناطق استراتيجية ومنشآت للطاقة ومصافي نفط، في إطار سعي كييف إلى نقل آثار الحرب إلى الأراضي الروسية بدلاً من بقائها حبيسة جبهات القتال التقليدية.
استهداف الداخل الروسي لرفع كلفة الحرب
وقالت ويليم إن الضربات التي طالت أصولاً حيوية داخل روسيا تعكس محاولة أوكرانية لنقل تأثيرات النزاع إلى الداخل، بما يحقق ضغطاً مزدوجاً: عسكرياً عبر إضعاف جاهزية بعض القدرات، واقتصادياً عبر التأثير على سلاسل الطاقة والوقود التي يعتمد عليها نمط العمليات. وترى الباحثة أن هذا النهج يأتي ضمن استراتيجية قائمة على الاستنزاف طويل المدى، بحيث لا يكون الهدف بالضرورة تحقيق تقدم سريع أو حسم ميداني مباشر، بل إجبار الطرف الآخر على استهلاك موارد إضافية.
وتتزامن هذه المقاربة مع محاولة كييف استهداف “النقاط الحساسة” التي قد تؤثر على الإمداد، والإنتاج، ووتيرة التعافي، وهو ما يُترجم عادة إلى صعوبة أكبر في الحفاظ على الاستدامة اللوجستية. كما أن توسيع دائرة الاستهداف قد يخلق أولوية أمنية جديدة لدى روسيا، تقتضي تعزيز الحماية وتكثيف أنظمة الدفاع والحشد، ما يعني نفقات إضافية تُحسب ضمن معادلة الحرب الشاملة.
لماذا لم يتحقق تغيير حاسم في ميزان القوى؟
وأوضحت ويليم أن استمرار الحرب يعود في جوهره إلى عدم وقوع تحول حاسم في توازن القوى بين الطرفين. فحتى مع اختلاف تكتيكات الهجوم، لا يزال عامل القدرة على الحفاظ على الاستمرارية العسكرية والسياسية هو الحاسم. ولفتت إلى استمرار الدعم العسكري والسياسي الغربي لأوكرانيا، مقابل ما تعتبره قدرة روسيا على الصمود عبر الحفاظ على قدراتها الاستراتيجية والعملياتية.
كما أشارت إلى أن تطورات الموقف الأمريكي والعلاقات بين واشنطن وكييف تُعد من العوامل المؤثرة في مستقبل الدعم الغربي، لأن هذا الدعم لا يقتصر على الأسلحة وحدها، بل يمتد إلى التدريب، والإمداد، وأنماط المساندة الفنية والاستخبارية، إضافة إلى الاعتبارات السياسية المرتبطة بقرار الاستمرار أو التعديل.
إعادة تنظيم الاقتصاد الروسي للحرب
ومن النقاط التي ركزت عليها الباحثة أن روسيا نجحت خلال السنوات الماضية في إعادة ترتيب اقتصادها بما يخدم متطلبات الحرب. ويشمل ذلك توجيه الموارد إلى الصناعات العسكرية، وزيادة القدرة الإنتاجية في قطاعات مرتبطة مباشرة بإدامة المجهود القتالي، بما يحد من أثر العقوبات الغربية على وتيرة الإمداد.
ويرتبط ذلك أيضاً بوجود آليات تعويض، من خلال إعادة توزيع سلاسل الإمداد، والتكيف في نماذج الإنتاج والاستخدامات الصناعية. وفي ظل هذا الواقع، قد يجد الطرف الآخر صعوبة في إحداث “شلل كامل” عبر الضربات المحدودة، لأن الاقتصاد والحشد العسكري—بحسب التحليل—يتحركان ضمن خطة طويلة نسبياً لمقاومة الصدمات.
أهداف موسكو: دونباس والممر إلى القرم والعمق الأمني
وأكدت ويليم أن روسيا ما زالت تتمسك بأهداف محددة، من أبرزها السيطرة على إقليم دونباس، وتأمين الممر البري إلى شبه جزيرة القرم، وإنشاء منطقة عازلة، إلى جانب منع انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي “الناتو”. وترتبط هذه الأهداف، كما يشير مضمون التصريحات، بمزيج من اعتبارات أمنية وجغرافية واستراتيجية، وليس فقط بنتائج تكتيكية قصيرة.
وبحسب هذا المنطق، فإن أي هجمات تستهدف الداخل الروسي—حتى لو أحدثت خسائر—قد لا تكون كافية وحدها لتغيير المسار العام إذا استمرت قدرة روسيا على الحفاظ على أهدافها المعلنة وإعادة ملء الفجوات التشغيلية، سواء من خلال الموارد أو التنظيم أو الدفاعات.
حرب الاستنزاف كخيار أوكراني وسط اختلاف الموارد
ولفتت الباحثة إلى أن أوكرانيا تُدرك صعوبة تحقيق حسم عسكري مباشر في ضوء الفارق في الموارد والقدرات، لذلك تفضّل توسيع نطاق العمليات لتشمل استهداف البنية التحتية والمنشآت الحيوية الروسية. ويهدف ذلك—وفق الرؤية المطروحة—إلى رفع تكلفة الحرب على موسكو وإطالة أمدها، بحيث يصبح عامل الزمن جزءاً من المعادلة.
كما أشارت إلى أن التركيز على الضربات الجوية والطائرات المسيّرة لا يكفي وحده لتحقيق تغيير جوهري، لأن الحروب الحديثة تتداخل فيها عناصر متعددة مثل السيطرة على المعلومات، وقدرات الدفاع الجوي والإسناد، والضغط الاقتصادي، والجاهزية البشرية واللوجستية. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين وسائل الردع والضغط، وبين أي تحركات ميدانية مرتبطة بالجبهات.
ما الذي يعنيه هذا التحول عملياً؟
يعكس انتقال أوكرانيا إلى استهداف عمق روسيا رغبة في توسيع مسرح التأثير وتقليص قدرة موسكو على حصر الحرب داخل الإطار الذي يناسبها. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب—بحسب التفسير—يرتبط بمدى قدرة كل طرف على مواصلة التمويل والتعويض وإدارة المخاطر. ومع تطور المشهد السياسي الغربي وتغير وتيرة الدعم، قد تتأثر حسابات أوكرانيا وروسيا في المدى القريب، لكن دون أن يعني ذلك تلقائياً نهاية سريعة للصراع.
في المحصلة، يقدم تحليل الباحثة إطاراً لفهم لماذا لا يكفي التفوق في جانب واحد لإحداث حسم: فالتركيز على الاستنزاف، وتوازن القدرات، وقدرة الاقتصاد على التحمل، كلها عناصر تتفاعل لتحديد مسار الحرب وأطوليتها.

التعليقات