أكد المحلل السياسي نزار نزال أن خريطة الطريق المعلنة لتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تكشف حجم التعقيدات التي ما زالت تعترض مسار الاتفاق، لافتًا إلى أن نجاح المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة الأطراف على تجاوز الملفات الخلافية العالقة، وعلى رأسها الانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل سلاح المقاومة ومرتكزاته.
وأوضح نزال، في تصريحات تلفزيونية، أن بنود الاتفاق جاءت في سياق متغيرات متسارعة على المستويين الإقليمي والدولي، إذ أعادت التطورات الأخيرة في المنطقة تشكيل موازين القوى وفرضت أنماط تفاوض جديدة، ما انعكس مباشرة على طريقة تناول قضايا غزة داخل المداولات السياسية والأمنية.
وأشار إلى أن ضغوطًا دبلوماسية مكثفة قادتها قوى إقليمية، خصوصًا مصر وتركيا والسعودية وباكستان، أسهمت في دفع مسار التفاوض إلى الأمام، عبر التوسط وتنسيق الاتصالات وتهيئة أجواء تسمح بالانتقال إلى المرحلة التالية، في وقت تتزامن فيه المساعي الدولية مع رغبة واضحة في احتواء التوتر ومنع اتساع دائرة الصراع.
وبيّن نزال أن ملف الانسحاب الإسرائيلي من القطاع من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، موضحًا أن الطرح الإسرائيلي يتحدث عن انسحاب محدود من مناطق محددة، بينما تشير الوقائع إلى استمرار سيطرة القوات الإسرائيلية على مساحات واسعة، وهو ما يفتح بابًا واسعًا من الخلاف حول آليات التنفيذ، ومواقيته، ومعنى “الالتزام” ببنود الاتفاق بالنسبة لكل طرف.
كما شدد على أن قضية سلاح حركة حماس والفصائل الفلسطينية تمثل عقبة مركزية أمام استكمال الاتفاق، مؤكدًا أن إسرائيل تميل إلى ربط أي ترتيبات أمنية مستقبلية بانفصال تدريجي أو نزع سلاح أو إخضاعه لآليات رقابة محددة، في حين ترى الحركة أن المسألة تتصل بجوهر الحقوق الفلسطينية وبالاعتبارات الأمنية والسياسية، ولا يمكن فصلها عن سياق الاحتلال والحاجة إلى حماية المجتمع الفلسطيني.
ولفت نزال إلى أن تعقيدات أخرى تظهر من داخل المشهد السياسي الإسرائيلي نفسه، إذ قد يؤدي اقتراب الاستحقاقات السياسية والانتخابية إلى دفع الحكومة إلى التعامل مع الملفات التفاوضية كأوراق للمناورة أو لتأجيل القرارات الحاسمة، بما قد ينعكس على وتيرة التنفيذ ويزيد من احتمالات التعثر.
وأضاف أن أي خريطة طريق لا تعتمد فقط على وقف القتال، بل تحتاج إلى توافق على “ضمانات التنفيذ” تشمل ترتيبات المراقبة، وإدارة المعابر، وتحديد مراحل الانسحاب وجدولها الزمني، وربط ذلك بخطوات تقابليّة تقلل مخاطر التصعيد، لأن غياب التفاصيل قد يخلق فجوات تؤدي إلى انهيار التهدئة أو تعطيل الانتقال إلى مراحل لاحقة.
واختتم نزال بأن خريطة الطريق تعكس تحولًا سياسيًا جديدًا فرضته التطورات الإقليمية، لكنها تظل رهينة بمدى استعداد الأطراف لتقديم تنازلات متبادلة، معتبرًا أن الجهود الأمريكية تتركز حاليًا على تثبيت التهدئة وتوسيع هامش الاستقرار، بينما تستمر إسرائيل في ربط ملف غزة بحسابات أوسع تتعلق بتطورات الصراع في المنطقة وبالمعادلات الإقليمية طويلة المدى.
وبذلك، يظل الاتفاق أمام تحديات سياسية وأمنية متشابكة، خصوصًا في نقطتي الانسحاب الإسرائيلي ونزع السلاح، مع الحاجة إلى مسارات توافقية تضمن تنفيذًا فعليًا ومؤشرات قابلة للقياس تمنع إعادة إنتاج دائرة الخلافات بعد التوصل إلى أي تهدئة.

التعليقات