التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور رامي عاشور، أستاذ العلاقات الدولية، أن مسار المفاوضات الجارية حول اتفاق غزة دخل مرحلة دقيقة تتطلب توافقاً سياسياً ودبلوماسياً أوسع، مشيراً إلى أن التحركات الحالية للوسطاء الإقليميين والدوليين تهدف إلى بناء موقف موحد يُلزم الأطراف عملياً بتنفيذ بنود الاتفاق في المواعيد المحددة، خصوصاً في ظل استمرار الضغوط الدولية ومحورية الدور الأمريكي باعتباره أحد أبرز الضمانات لمسار التفاهمات.

وأوضح عاشور أن التحركات الدبلوماسية تتزامن مع تطورات مهمة على مستوى المواقف الفلسطينية، حيث يسهم توافق الفصائل على المضي في الاتفاق، إلى جانب موافقة حركة حماس على عدد من البنود المطروحة، في منح الجانب الفلسطيني قدرة تفاوضية أكبر، وفي المقابل يضع إسرائيل أمام مسؤوليات أكبر أمام المجتمع الدولي. كما رأى أن وجود موقف فلسطيني أوضح يقلل مساحة المناورة الإسرائيلية ويزيد الكلفة السياسية لأي تعلل أو تأجيل.

ولفت أستاذ العلاقات الدولية إلى أن العقبات التي تبرزها إسرائيل في بعض محطات المفاوضات لا تبدو دائماً ذات طابع فني بحت، بل قد تعكس رغبة في إطالة أمد المباحثات وتأجيل المراحل الأساسية من الاتفاق، بما يؤدي إلى تعويم الجدول الزمني وتقليل فرص التنفيذ الفعلي. وأشار كذلك إلى أن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية تناولت اعتراضات مرتبطة بمشاركة أطراف إقليمية—مثل قطر وتركيا—في آليات متابعة تنفيذ الاتفاق، وفسّر ذلك كجزء من محاولات خلق ملفات جانبية قد تعرقل التقدم وتؤثر على هندسة المتابعة والرقابة.

كما شدد عاشور على أن نقطة الأكثر تعقيداً تتعلق بترتيبات مستقبل سلاح حركة حماس، إذ تتمسك إسرائيل بنزع السلاح بشكل كامل قبل تنفيذ أي انسحاب واسع من قطاع غزة. وفي المقابل، تظهر في بعض الطروحات الإقليمية بدائل تنظيمية مختلفة، مثل الحفاظ على السلاح أو وضعه تحت إشراف جهة ثالثة أو وفق آليات مراقبة ترتبط بضمانات أمنية. واعتبر أن رفض الحكومة الإسرائيلية لهذه الصيغ نابع من تصور أمني مختلف، لكنها في الوقت نفسه قد تفسر سبب استمرار التوتر وغياب توافق نهائي على ترتيبات التنفيذ.

وبيّن عاشور أن استمرار الخلاف حول ملف السلاح قد ينعكس سلباً على فرص استكمال الاتفاق، خصوصاً إذا لجأت إسرائيل إلى استخدام هذه الملفات لتبرير تأخير الالتزامات الميدانية أو لتغذية ذرائع تؤدي إلى مواصلة عمليات عسكرية داخل القطاع. وأكد أن أي فجوة بين المسار السياسي والواقع الميداني—سواء عبر تعطيل تنفيذ التفاهمات أو خفض مستوى الالتزام—ستزيد تعقيد المشهد الإنساني والسياسي، وترفع احتمالات الانفجار في المناطق الحساسة.

وبخصوص الموقف الأمريكي، أوضح أن واشنطن تحاول الحفاظ على دورها كضامن للمفاوضات عبر دعم المسار الدبلوماسي وضمان عدم انهياره، إلا أن طريقة التعامل مع المواقف الإسرائيلية تثير تساؤلات حول مدى قدرتها على إلزام جميع الأطراف بالقدر نفسه من الالتزام. واعتبر أن نجاح الوساطة يتطلب موقفاً أكثر حسمًا في مواجهة أي محاولات لتعطيل التقدم أو الالتفاف على بنود الاتفاق، بما يضمن تحويل التفاهمات إلى واقع قابل للقياس والتطبيق.

وأضاف أن الوسطاء الإقليميين يواصلون جهودهم لتثبيت التهدئة ومنع تصاعد التوتر، عبر العمل على صياغة إطار متابعة واضح يتضمن آليات تنسيق وجدولة وتواصل مستمر بين الأطراف. وأكد أن الوصول إلى اتفاق قابل للتنفيذ سيظل مرهوناً بجملة شروط، في مقدمتها استعداد إسرائيل للالتزام بتعهداتها ووقف سياسة التأجيل والمراوغة، وتقديم ترتيبات عملية—خصوصاً في ما يتعلق بسلاح حركة حماس—تسمح بتقدم المراحل دون ربطها بتعقيدات قد تُستخدم لتأخير التنفيذ.

وفي الختام، شدد الدكتور رامي عاشور على أن المفاوضات في هذا التوقيت لا تتعلق فقط ببلوغ توافق نصي، بل بقدرة الأطراف على تحويل الاتفاق إلى خطوات تنفيذية ملموسة تحمي المدنيين وتدعم الاستقرار في قطاع غزة، وتفتح الباب نحو مرحلة أكثر استقراراً، إذا ما تم فعلاً كسر حلقة المماطلة الإسرائيلية وتكثيف الضغوط الدولية لضمان الالتزام المتبادل.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *