أكد الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن ما يُتداول حول إلغاء دعم الكهرباء لا يستند إلى معلومات دقيقة، مشيرًا إلى أن الدولة ما زالت تتحمل جزءًا كبيرًا من التكلفة الفعلية لإنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها، ضمن مساعيها لتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المواطنين والمحافظة على استمرارية الخدمة بجودة مستقرة.
وأوضح القليوبي، خلال تصريحات تلفزيونية، أن تكلفة إنتاج الكهرباء تتجاوز كثيرًا قيمة الفواتير التي يسددها المستهلكون؛ حيث تُقدّر نسبة تغطية أسعار البيع للمشتركين من التكلفة الحقيقية بنحو 30% إلى 38% فقط، بينما يتحمل دعم الدولة الفارق، والذي يصل إلى قرابة 100 مليار جنيه سنويًا. وأوضح أن هذا الدعم ليس إجراءً شكليًا، بل يرتبط مباشرة بكون تكلفة الوقود عالميًا ومتغيرات سلاسل الإمداد والنقل لها أثر مباشر على كلفة توليد الطاقة.
وتطرق الخبير إلى أن قطاع الكهرباء شهد تحسنًا ملحوظًا في قدراته الإنتاجية خلال السنوات الأخيرة، حيث ارتفع متوسط القدرة المتاحة من حوالي 36 ألف ميجاوات إلى قرابة 40 ألف ميجاوات. وأوضح أن زيادة القدرات الإنتاجية تستتبع احتياجات إضافية من الوقود لتشغيل وحدات التوليد، بما يعني ارتفاعًا في استهلاك الموارد اللازمة، وليس فقط زيادة في الأرقام على الورق.
كما أفاد بأن استهلاك الغاز الطبيعي لتشغيل محطات الكهرباء تجاوز 4 مليارات متر مكعب يوميًا، بزيادة تفوق مليار متر مكعب مقارنة بالأعوام السابقة، مؤكدًا أن هذه الزيادة، إلى جانب التقلبات وارتفاع أسعار الوقود في الأسواق العالمية، انعكست بشكل مباشر على تكلفة إنتاج الكهرباء. وأشار إلى أن أي تغيير جذري في منظومة الدعم أو التسعير ينبغي أن يأخذ في الاعتبار تأثيرات التكلفة الواقعية، حتى لا ينعكس ذلك على استقرار الخدمة أو القدرة الشرائية للمواطنين.
وأكد القليوبي أن منظومة الكهرباء تُدار كسلسلة مترابطة وليست مجرد محطات توليد؛ فهي تبدأ من توفير الوقود ثم إنتاج الطاقة، مرورًا بنقلها عبر شبكات الضغط العالي والمحطات الرئيسية والأبراج، ثم توزيعها عبر المحولات والشبكات المختلفة حتى تصل للمستهلك. وأوضح أن كل مرحلة من هذه المراحل تتطلب استثمارات رأسمالية ومصاريف تشغيل وصيانة، فضلًا عن تكلفة إدارة الأحمال وضمان جودة الخدمة.
وشدد على أن استمرار الدولة في تحمل جانب معتبر من التكلفة يعكس التزامًا بالبعد الاجتماعي، وضمان حصول المواطنين على الكهرباء بأسعار مناسبة، مع مواصلة تطوير البنية التحتية ورفع كفاءة الشبكة الكهربائية وتقليل الفاقد وتحسين الاعتمادية. كما أكد أن أي قرارات مستقبلية حول منظومة الدعم أو هيكلة الأسعار يجب أن تستند إلى تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستدامة المالية وقدرة المواطنين على تحمل الأعباء، وبما يضمن استمرار تقديم الخدمة بكفاءة واستقرار دون الإخلال باحتياجات مختلف القطاعات الصناعية والتجارية والمنزلية.
وختم الدكتور جمال القليوبي بالتأكيد أن مناقشة سياسات دعم الكهرباء ينبغي أن تكون مبنية على بيانات تكلفة حقيقية وآليات واضحة، وليس على تداولات غير موثقة، حتى تبقى منظومة الطاقة قادرة على تلبية الطلب المتزايد وتحقيق الاستقرار الاقتصادي والخدمي في آن واحد.

التعليقات