تتزايد المخاوف لدى المربين مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة في الصيف، إذ لا يقتصر تأثير الطقس الحار على شعور الحيوانات والطيور بالضيق، بل يمتد ليؤثر مباشرة في معدلات الإنتاج والكفاءة الاقتصادية لمزارع الثروة الحيوانية والدواجن. ومع اعتماد الأسواق على اللبن والبيض كمصدرين غذائيين أساسيين، تصبح إدارة الإجهاد الحراري أولوية قصوى لتقليل الخسائر والحفاظ على الصحة العامة وسلامة المنتجات.
أولًا: لماذا ينعكس الحر على الإنتاج؟
يُجمع مختصون في قطاع الثروة الحيوانية والداجنة على أن موجات الحرارة المرتفعة ترفع معدل الإجهاد الحراري داخل الحظائر، ما يؤدي إلى انخفاض الاستهلاك الفعّال للأعلاف وتراجع كفاءة تحويل الغذاء. ونتيجة لذلك، قد تنخفض إنتاجية اللبن في الأبقار، وتقل معدلات وضع البيض في الدواجن، كما يتباطأ النمو لدى الكتاكيت والأصناف التي ما زالت في مراحل التسمين.
كما أن انخفاض الأداء الإنتاجي لا يرتبط بالحر وحده؛ بل تتفاقم المشكلة عندما تتزامن موجات الحر مع ارتفاع الرطوبة، لأن قدرة الحيوان أو الطائر على التخلص من الحرارة عبر التبخير تكون أقل في بيئات شديدة الرطوبة.
ثانيًا: الدواجن تحديًا إضافيًا بسبب آلية التبريد
من أبرز التفاصيل التي تؤثر على مزارع الدواجن أن الطيور لا تمتلك غددًا عرقية مثل الثدييات، ولذلك تعتمد بشكل أساسي على اللهث لتبريد أجسامها. ومع استمرار الحر، يزيد اللهث بصورة ملحوظة، ما ينعكس على:
– ارتفاع استهلاك الطاقة بدلًا من توجيهها للنمو أو إنتاج البيض.
– انخفاض الشهية، وبالتالي نقص كمية الغذاء المتناولة.
– تراجع معدلات النمو وإنتاج البيض.
وتشير الخبرة الميدانية إلى أن الطائر قد يبدو “متحمّلًا” في الأيام الأولى، لكن تدهور الأداء غالبًا ما يصبح أوضح مع استمرار الموجات الحرارية وارتفاع الرطوبة.
ثالثًا: سلامة المنتج عند توازن العوامل الصحية
يؤكد العاملون في الجهات المختصة أن جودة اللحوم وسلامتها للاستهلاك الآدمي لا تتأثر تلقائيًا بسبب موجات الحر إذا تم الالتزام بالإدارة الصحية والتهوية والتغذية والممارسات البيطرية المناسبة. الفارق هنا أن ارتفاع الحرارة قد يضعف المناعة ويزيد القابلية للعدوى إن لم تُستكمل متطلبات الرعاية، لكن الالتزام بالإرشادات يقلل كثيرًا من احتمالات تدهور الحالة الصحية.
رابعًا: إجراءات وقائية عملية داخل المزارع
توصي وزارة الزراعة المربين بمجموعة من الخطوات التطبيقية للحد من الإجهاد الحراري، ويمكن تلخيص أهمها فيما يلي:
1) إدارة التغذية خلال ساعات الذروة
– تجنب تقديم الأعلاف المركزة خلال أكثر ساعات اليوم حرارة.
– توزيع الوجبات على فترات أقل حرًا مثل الصباح الباكر أو ساعات متأخرة من النهار.
– مراقبة استهلاك العلف وملاحظة أي تغير مفاجئ في الشهية أو السلوك.
2) تقليل الحركة والنقل في الأوقات شديدة الحرارة
– عدم نقل الحيوانات أو الدواجن خلال ذروة الحر.
– تقليل الإجراءات الميدانية غير الضرورية في فترات الارتفاع القصوى لدرجات الحرارة.
3) تحسين التهوية ورفع كفاءة التبريد
– دعم التهوية داخل الحظائر والعنابر عبر مراوح مناسبة وتوزيع هواء فعال.
– استخدام وسائل تبريد مدروسة وفق إمكانيات كل مزرعة، مع الالتزام بمعايير التشغيل لتجنب زيادة الرطوبة دون فائدة.
4) خفض الرطوبة داخل العنابر
– العمل على خفض مستويات الرطوبة قدر الإمكان لتسهيل عملية التخلص من الحرارة.
– متابعة التهوية والرطوبة بشكل يومي بدل الاعتماد على ملاحظة سطحية.
خامسًا: إدارة المياه وجودتها كجزء من خطة تقليل الخسائر
تُعد المياه عنصرًا حاسمًا في مواجهة الحر؛ إذ قد يزداد احتياج الحيوان أو الطائر للماء بشكل ملحوظ، بينما تكون جودة المياه عاملًا مؤثرًا على الصحة والهضم. ومن المفيد:
– التأكد من نظافة المشارب وسهولة الوصول للمياه.
– مراقبة درجات حرارة المياه وملاءمتها، خصوصًا في الأيام شديدة السخونة.
– ضبط كفاءة نظام الشرب لتجنب أي انخفاض مفاجئ في كمية الماء.
سادسًا: مراقبة العلامات المبكرة للإجهاد الحراري
لتقليل الخسائر، من الضروري رصد المؤشرات المبكرة بدل انتظار تفاقم المشكلة. من العلامات الشائعة لدى الدواجن مثلًا:
– زيادة اللهث بشكل غير معتاد.
– خمول نسبي أو تشتت في سلوك الطيور.
– انخفاض استهلاك العلف وتغير معدلات وضع البيض.
وبالنسبة للماشية، قد يلاحظ المربون انخفاض الشهية وتغير السلوك العام، إضافة إلى تراجع إنتاج اللبن.
سابعًا: ماذا لو استمر الإهمال؟
إذا أهمل المربون الإجراءات الوقائية، قد يتفاقم الإجهاد الحراري ويزداد احتمال حدوث خسائر، بما في ذلك نفوق بعض الحيوانات والطيور في الحالات الأكثر شدة، خاصة إذا استمرت الموجات الحارة لفترات طويلة دون تدخل فعّال.
ثامنًا: دعم تطوير المزارع وتقليل أثر المناخ
إلى جانب إجراءات التشغيل اليومية، تواصل جهات مختصة العمل على دعم القطاع عبر برامج تحسين وراثي وتطوير نظم التربية. كما تبرز أهمية التوسع في أنظمة التربية المغلقة حيث تُدار الحرارة والتهوية بصورة أدق. ويستهدف ذلك رفع كفاءة الإنتاج وتعزيز قدرة المزارع على التكيف مع التغيرات المناخية.
كما يجري التركيز على توفير قروض ميسرة للمربين لتمكينهم من تحديث معدات التهوية والتبريد وتحسين البنية التحتية بما ينعكس على استقرار الإنتاج خلال فترات الحر.
في النهاية، النجاح في حماية إنتاج اللبن والبيض لا يعتمد على عامل واحد، بل على منظومة متكاملة تبدأ بإدارة التغذية والمياه والتهوية، وتمتد إلى المراقبة الصحية الدقيقة والاستثمار في تحديث المزارع وتقنيات التبريد المناسبة. بهذه الخطوات يمكن تقليل الخسائر وحماية صحة القطيع والحفاظ على كفاءة الإنتاج حتى في أكثر أسابيع الصيف حرارة.

التعليقات