أكد ميسرة بكور، مدير المركز العربي الأوروبي للدراسات، أن الاختناقات السياسية تظل احتمالًا قائمًا خلال مختلف مراحل الصراعات بين الدول، مع بقاء باب التفاوض مفتوحًا حتى مع تصاعد العمليات العسكرية، مشيرًا إلى أن معظم الحروب—مهما طال أمدها—تنتهي في النهاية بالجلوس إلى طاولة الحوار، وإن اختلفت شروطه وتوازناته من مرحلة إلى أخرى.
جاء ذلك خلال مداخلة له مع الإعلامي أحمد أبو زيد على قناة «القاهرة الإخبارية»، حيث أوضح أن التصريحات الأمريكية الأخيرة التي تتحدث عن عدم اهتمام واشنطن بالتفاوض مع إيران لا تعني بالضرورة استبعاد هذا الخيار نهائيًا، مؤكدًا أن مسار إنهاء الحرب عادة ما يعيد الأطراف إلى المفاوضات، لكن وفق «معادلات جديدة» تتشكل على ضوء تغير الوقائع العسكرية والسياسية والاقتصادية، وتبدل الأولويات والرهانات.
وشدد بكور على أن السؤال المركزي لا يتمحور حول ما إذا كانت المفاوضات ممكنة من عدمها، بل يتمحور حول ماهية الملفات التي سيتم طرحها على طاولة الحوار، لافتًا إلى أن نطاق التفاهم قد لا يقتصر على الملف النووي أو على بنود مذكرة التفاهم السابقة، خصوصًا مع تبدل مصالح الطرفين وتطور المسار العام للأزمة بما يفرض إدخال قضايا جديدة أو إعادة ترتيب الأولويات.
وبيّن المتحدث أن الاستراتيجية الإيرانية خلال المرحلة الماضية اتسمت بمحاولة تجنب التركيز الحصري على ملف تخصيب اليورانيوم، والتوجه نحو ملفات أخرى أكثر تأثيرًا على البيئة الإقليمية، وفي مقدمتها مضيق هرمز بوصفه ورقة ضغط إقليمية. فالمضيق يمثل نقطة عبور حيوية للتجارة الدولية، وأي توتر حوله قد يرفع كلفة المخاطر على الملاحة ويزيد من الضغوط على صناع القرار، وهو ما يمنح طهران قدرة على المناورة وفرض إيقاع تفاوضي مختلف.
غير أن بكور نبه إلى أن استخدام ورقة مضيق هرمز ليس خيارًا مفتوحًا بلا حدود، إذ قد تنقلب نتائجه في اتجاه عكسي على إيران نفسها. فتعطيل الملاحة الدولية أو ارتفاع مخاطر الإمدادات قد يدفع المجتمع الدولي لزيادة رفضه لأي تصعيد يهدد خطوط التجارة العالمية، كما قد يتحول الضغط نحو طهران بدلًا من أن يبقى ورقة فعّالة في مواجهتها.
وأضاف أن إيران تستند في طرحها لقضايا المضيق إلى تسييل الجوانب القانونية والسيادية، بما في ذلك الجدل المتعلق بطبيعة السيادة على المضيق وما إذا كانت السيادة إيرانية خالصة أم مشتركة مع سلطنة عُمان. وأشار إلى أن توسيع هذه التفاصيل قد يهدف إلى إغراق الولايات المتحدة في ملفات خلافية مطولة، بما يؤخر حسم القضايا الجوهرية ويمنح إيران مساحة أوسع للمناورة السياسية خلال أي جولة تفاوض مقبلة.
وفي قراءة مسار التفاوض المحتمل، فإن أي عودة إلى طاولة المفاوضات قد تترافق—بحسب المعطيات المتغيرة—مع حزمة ترتيبات أوسع تشمل قضايا الملاحة والأمن الإقليمي والضمانات السياسية المرتبطة بوقف التصعيد، إضافة إلى مراجعة شكل التزامات الطرفين ومجالات تطبيقها زمنيًا. وبينما قد يبقى الملف النووي حاضرًا في المشهد، فإن طبيعة المرحلة قد تجعل ملفات أخرى أكثر وزنًا في تحديد شروط الاتفاق، وتوازن المصالح، وحدود التنازلات الممكنة.

التعليقات