التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور محمد كمال، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، أن سلسلة التطورات الدولية الأخيرة أعادت رسم حدود تأثير القوة العسكرية، مشيرًا إلى أن امتلاك قدرات ضخمة لا يضمن تلقائيًا القدرة على حسم النزاعات أو تحقيق نتائج سياسية نهائية. واعتبر أن ما يجري اليوم يثبت أن الحسم العسكري—مهما كان قويًا—يظل رهينًا بعوامل أوسع تتعلق بالاقتصاد والإمدادات والضبط السياسي لإدارة الصراع.

وأوضح كمال خلال برنامج يحدث في مصر أن الولايات المتحدة، التي لعبت دورًا محوريًا في دعم حلفائها خلال الحرب العالمية الثانية مستندة إلى تفوقها الصناعي والعسكري، تواجه تحديات متزايدة راهنًا. ومن بين هذه التحديات قدرة الولايات المتحدة على تأمين الذخائر والاستمرار في الانخراط العسكري المتعدد المسار في مناطق مختلفة، بما يرفع كلفة المواجهات ويجعل الاستدامة تحديًا إستراتيجيًا لا يقتصر على السلاح وحده.

الحرب الروسية-الأوكرانية: اختبار عملي لحدود القوة

يرى رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا تمثل نموذجًا واضحًا لفكرة أن القوة العسكرية لا تكفي وحدها. فرغم مرور سنوات على اندلاع القتال، لم تتمكن روسيا—وهي من أكبر القوى العسكرية والنووية عالميًا—حتى الآن من تحقيق انتصار حاسم يترجم سريعًا إلى نتائج سياسية نهائية.

وشدد كمال على أن بداية الحرب كانت مصحوبة بتوقعات بقدرة روسيا على تحقيق أهدافها بسرعة، لكن استمرار الصراع أظهر أن التفوق العسكري لا يضمن الوصول إلى الأهداف السياسية المستهدفة. كما لفت إلى أن طول أمد النزاع يعمق أثر العوامل غير العسكرية، مثل الصمود المؤسسي، والتحالفات، وإدارة الموارد، واستمرارية الدعم الخارجي، إضافة إلى كلفة العمليات على المدى الطويل.

التوترات مع إيران: قوة العقوبات والردع لا تعني الحسم

وبالانتقال إلى ملف المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، أشار كمال إلى أن هذه العلاقة تبرز أيضًا حدود القوة العسكرية. فإيران—وفقًا لرواية كمال—تخضع لعقوبات منذ عقود، في المقابل تمتلك الولايات المتحدة قدرات عسكرية واقتصادية كبيرة. ومع ذلك، تظل المعادلة معقدة ولا تتحول بالضرورة إلى “حسم” شامل.

ومن هنا، أكد كمال أن التطورات الحالية تطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى الاعتماد على القوة العسكرية وحدها لتحقيق الأهداف السياسية، خصوصًا حين تتشابك المصالح الإقليمية والتحالفات المحلية وسلوك الفاعلين من غير الدول، وتتحول الحرب إلى مسألة إدارة صراع طويل الأمد لا يمكن اختزالها في المعارك المباشرة.

تشكيل نظام دولي جديد ومكانة أمريكية أقل

توقع رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ أن التحولات الراهنة ستسهم في تسريع تشكيل نظام دولي جديد، تتراجع فيه مكانة الولايات المتحدة مقارنة بدورها العالمي خلال العقود الماضية. وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد تميل إلى مزيد من التركيز على شؤونها الداخلية وقربها الجغرافي المباشر، خاصة أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية، مع خفض مستوى انخراطها في بعض الملفات الدولية.

وأضاف أن تراجع الدور الأمريكي بات واضحًا حتى لدى عدد من الحلفاء والشركاء، وهو ما قد يفتح الباب أمام إعادة توزيع أدوار النفوذ عالميًا، بما في ذلك ظهور مسارات تفاوضية جديدة وصيغ تحالف مختلفة.

صعود الإقليمية بدلًا من العولمة

ومن أبرز ملامح النظام الدولي الجديد—بحسب كمال—صعود مفهوم الإقليمية على حساب العولمة. أي أن القوى الإقليمية تصبح الأكثر قدرة على إدارة قضايا مناطقها، بدلًا من الاعتماد الكامل على القوى الكبرى خارج الإقليم. وترى الرؤية المقدمة أن الصين لا تبدو—في هذه المرحلة—قادرة أو راغبة في ملء الفراغ الناتج عن تراجع الدور الأمريكي، بينما ستظل روسيا منشغلة جوارها الجغرافي وتداعيات الحرب في أوكرانيا لفترة طويلة.

وبذلك، قد يدفع الفراغ النسبي القوى الإقليمية إلى لعب أدوار أوسع في منع التصعيد، وتخفيف بؤر التوتر، وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار داخل مناطقها، مع اختلاف طبيعة الأدوات: من الدبلوماسية إلى الوساطة، ومن ضبط حدود النزاع إلى دعم ترتيبات اقتصادية وأمنية.

الشرق الأوسط بين مشروعين متعارضين ومساعٍ للاستقرار

أكد كمال أن منطقة الشرق الأوسط تشهد وجود مشروعين إقليميين متعارضين؛ أحدهما إسرائيلي والآخر إيراني، وأن كلًا منهما يسعى إلى تعزيز نفوذه وفرض رؤيته. وفي مقابل ذلك، توجد دول تسعى—حسب الطرح—إلى سياسات تستهدف الاستقرار والتعاون الإقليمي، وتقدم مقاربة مختلفة لإدارة الأزمات.

كما أشار إلى أن هذا التباين في الرؤى يجعل المنطقة أكثر عرضة للتقلبات، ويعزز الحاجة إلى آليات إقليمية للتنسيق والحوار تخفف من آثار الصراعات الكبرى وتمنع تمددها داخل الحدود الإقليمية.

الرباعية نموذج للتوازن والاعتدال

واختتم رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ بالإشارة إلى أن مصر والسعودية وتركيا وباكستان تمثل قوى إقليمية مؤثرة تسعى إلى تعزيز الاستقرار، وأن اجتماع هذه الدول في إطار “الرباعية” يعكس أهمية التعاون بين القوى الإقليمية الكبرى.

وبيّن أن الدول الأربع تمتلك مقومات اقتصادية وعسكرية وسياسية مؤثرة، فضلًا عن علاقات واسعة مع القوى الدولية الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة. كما تجمع—وفقًا لطرح كمال—بين بُعدَي الامتداد العربي والإطار الإسلامي، وتتبنى خطابًا وسياسات تختلف عن التوجهات التي تقوم على الصراع والتوسع، مع التركيز على حلول أكثر اتزانًا وتأثيرًا في رسم مستقبل المنطقة.

وبشكل عام، يقدم هذا التصور قراءة مفادها أن تقلص القوة الشاملة لأي طرف—حتى لو كانت عسكرية—يفتح المجال لتوازنات جديدة تقودها آليات إقليمية، وأن الاستقرار في المدى المتوسط قد يصبح نتاجًا للتعاون الإقليمي بقدر ما هو نتيجة للموازين الدولية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *