مع وصول آندي بيرنام إلى رئاسة الحكومة البريطانية، عاد الحديث بقوة عن مستقبل العلاقات البريطانية-الأمريكية، خصوصاً في ظل أجواء سياسية لا تزال تتأرجح بين الانفتاح والتوجس. وفي هذا السياق، قدّم برنامج مطروح للنقاش الذي تقدمه الإعلامية مارينا المصري عبر قناة القاهرة الإخبارية تقريراً بعنوان: بيرنام وواشنطن.. هل تدخل العلاقات البريطانية الأمريكية مرحلة توتر؟، مسلطاً الضوء على مؤشرات توتر مبكرة قد تعيد تشكيل طريقة تعامل لندن مع واشنطن خلال الفترة المقبلة.
تأخذ هذه الإشارات جزءاً من ملامحها من تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ وُصف بيرنام بأنه ليبرالي متطرف. مثل هذا التصنيف قد يُفهم على أنه مدخل لتوقعات أكثر حدة في لغة الخطاب أو تفاوت في التعاطي السياسي، لكنه ليس بالضرورة أن يعني قطيعة أو مواجهة مباشرة، لأن العلاقات بين الدول عادة ما تُدار عبر حسابات المصالح والاستراتيجيات طويلة المدى.
في المقابل، حرص بيرنام على تقديم صورة مختلفة عبر تصريحات تلفزيونية، مؤكداً أنه سيتعامل مع ترامب بصراحة ووضوح، وبما يحافظ على مبدأ الاستمرارية في العلاقة، مع التركيز على ضرورة أن تكون العلاقة بين لندن وواشنطن جيدة ومستقرة. ويُقرأ هذا الموقف عادةً كرسالة مزدوجة: تهدئة للداخل البريطاني، وفي الوقت ذاته تهيئة لخط تواصل سياسي مباشر يقلل فرص سوء الفهم أو التصعيد.
لكن التوترات ليست مجرد جدل في تصريحات إعلامية. فقد برزت دلالات سياسية تحملها أحياناً أحداث تبدو بعيدة عن السياسة، مثل ما حدث خلال مباراة نصف نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وبريطانيا. إذ رفع لاعبو الأرجنتين لافتات تتعلق بـ جزر فوكلاند عقب الفوز على المنتخب الإنجليزي، وفي ذلك الوقت انحاز البيت الأبيض إلى جانب الأرجنتين على حساب الإنجليز. ورغم أن الواقعة قد تُعد عابرة على المستوى الرياضي، فإنها—وفق القراءة السياسية—تعكس كيف يمكن للموقف الرسمي الأمريكي أن يتداخل مع ملفات سيادية وتوترات تاريخية.
لماذا قد تتأثر العلاقات؟
ثمة عامل داخلي في بريطانيا يمكن أن ينعكس على الخارج. فالتوتر السياسي الداخلي، عقب استقالة رئيس الوزراء السابق كير ستارمر ووصول بيرنام إلى المشهد، قد يدفع الحكومة الجديدة إلى التركيز على تثبيت الوضع الداخلي، وربما إدارة ملف العلاقة مع واشنطن بحذر أكبر. ومع ذلك، فإن أي حسابات تتعلق بالسياسة الخارجية تظل رهينة لمدى قدرة لندن على تحقيق توازن بين الرأي العام البريطاني والالتزامات الدولية والمكاسب الاقتصادية والعسكرية.
من جهة أخرى، هناك شبكة مصالح مشتركة تجمع البلدين في مجالات متعددة، أبرزها الدفاع والأمن والاستخبارات والتعاون التجاري. غير أن هذه المصالح لا تمنع حدوث احتكاك، خاصة عندما تتقاطع مع اختلافات أيديولوجية في الرؤية السياسية، أو عندما تتوتر العلاقات بين القيادات الشخصية كما قد يوحي السياق الحالي بين ترامب وبيرنام.
هل سيحسم منطق المصالح أم منطق التصادم؟
السؤال الأوسع يتمحور حول ما إذا كانت العلاقات الأمريكية البريطانية ستدخل فعلاً مرحلة توتر جديدة مع بداية حقبة بيرنام، أو ما إذا كانت لغة المصالح ستبقى أكثر تأثيراً من أي خطاب شخصي أو تصورات مسبقة. تاريخياً، شهدت العلاقات بين لندن وواشنطن فترات شد وجذب، لكن المؤسسات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية غالباً ما تُعيد ضبط الإيقاع عندما تكون المصالح الاستراتيجية في المحك.
ولتعزيز فهم الصورة، يمكن توقع أن تتحرك العلاقة وفق مسارين متوازيين: مسار سياسي يتأثر بتصريحات الزعماء وخطابهم الداخلي، ومسار مؤسسي تترجم فيه الحكومات التعاون القائم عبر اتفاقات وتنسيق طويل الأمد. فإذا اتجه بيرنام إلى تأكيد الانفتاح مع واشنطن مع استمرار قناة الحوار، فقد تقل فرص التصعيد، بينما تبقى احتمالات التوتر قائمة إذا تواصلت لغة الاتهام أو استُخدمت الملفات الخلافية كورقة ضغط.
وفي النهاية، تبدو العلاقات الأمريكية البريطانية حالياً داخل منطقة رمادية: ضبابية في الخطاب السياسي، لكن مع وجود قواعد ثابتة من المصالح والشراكة. ومع مرور الوقت، سيكشف التعامل العملي—في القضايا الأمنية والدبلوماسية والاقتصاد—ما إذا كانت هذه المؤشرات بداية لأزمة أم مقدمة لمرحلة تفاوض أكثر واقعية واستقراراً.

التعليقات