يرى السفير حسام زكي، الأمين العام المساعد السابق لجامعة الدول العربية، أن التحولات في طريقة اتخاذ القرار داخل الإقليم العربي تضع تحديات جوهرية أمام مستقبل الجامعة العربية، لاسيما مع ما يشهده المشهد من بروز تكتلات ومجموعات إقليمية. واعتبر زكي أن اشتراط موافقة 22 دولة لاتخاذ موقف سياسي يجعل كثيرًا من الدول تتجنب آلية الجامعة، لأنها تدرك أن الخلاف أو اختلاف المصالح قد يؤدي إلى تعطيل القرار.
وأوضح زكي في حديثه مع الإعلامية لميس الحديدي ضمن برنامج «الصورة» على شاشة النهار أن هذا الشرط يمنح الدول التي لا تتوافق مع توجهات أو مصالح شركائها القدرة على التأثير في مسار القرار، وبالتالي يدفع بعض الأطراف إلى تفضيل مسارات بديلة. وأشار إلى أن هذا لا يعني غياب التكتلات، بل إن وجودها قائم، باعتبارها «حقًا سياديًا أصيلًا» للدول، لكن المشكلة تظهر عندما تُقدَّم هذه الترتيبات كبديل شامل أو إطار جامع للعرب.
وفي رده على سؤال حول ما إذا كان نجاح التكتلات ناتجًا عن تراجع المصالح العربية الجامعة لصالح مصالح منفصلة، شدد زكي على أن المصالح قد تكون بالفعل عاملًا مهمًا، إلا أن هناك سببًا آخر لا يقل تأثيرًا يتمثل في اختلاف الرؤى السياسية. وأضاف أن مساحة الاختلاف بين بعض الأطراف أصبحت «غير قابلة للتقارب» في أحيان كثيرة، لدرجة أن احتمالات التوافق تتقلص إلى حد كبير.
كما لفت السفير حسام زكي إلى تغير سلوك الدول خلال السنوات الأخيرة؛ إذ قال إنه بحكم ملاحظته المتواصلة لقرابة عشر سنوات، فقدت بعض الدول «طاقة» الخلاف، ولم تعد تميل إلى استمرار النقاشات الطويلة داخل الأطر الرسمية عندما تشعر بأن الرؤى متباعدة. وبدلًا من ذلك، تتجه بعض الأطراف إلى التواصل مع دول تشترك معها في نفس التصور السياسي أو تتقاطع مصالحها، بغض النظر عن رؤية بقية الدول.
ولتعميق الفكرة، يمكن فهم الأمر على أنه تداخل بين عاملين: عامل مؤسسي يتعلق بآليات الإجماع داخل جامعة الدول العربية، وعامل سياسي مرتبط بواقع البيئة الإقليمية وتغير الأولويات الوطنية. فبينما يمنح الإجماع الشرعية ويضمن تمثيل الجميع، قد يؤدي في المقابل إلى بطء القرار أو تعطيله عندما تتباين المصالح الاستراتيجية أو تتعارض حسابات السياسة الخارجية.
ومن جهة أخرى، فإن التكتلات الجديدة غالبًا ما تمنح أطرًا أكثر مرونة واتخاذ قرار أسرع، خاصة عندما تكون عضويتها أصغر أو عندما تتقارب أهدافها بشكل أوضح. لكن زكي يؤكد أن هذه المرونة لا تعني بالضرورة أن التكتل هو الإطار الجامع للعرب، لأن تعدد المجموعات قد يخلق في النهاية تفاوتًا في الأولويات ويزيد من تعقيد المشهد العربي بدلًا من توحيده.
ويخلص زكي إلى أن التحدي الأساسي للجامعة يتمثل في إيجاد آليات أكثر فاعلية للتوافق، وتخفيف أثر التعطيل الناتج عن شرط موافقة عدد كبير من الدول، بما يسمح بقدرة أعلى على التحرك حين تتطلب التطورات الإقليمية موقفًا عربيًا موحدًا. وفي الوقت نفسه، يبقى وجود التكتلات أمرًا مفهومًا من زاوية سيادية، بشرط ألا تتحول إلى بديل يضعف فكرة الإطار العربي الجامع ويحوّل العمل العربي من «تكامل» إلى «تجزئة» متزايدة.

التعليقات