في العشرين من يوليو من كل عام، يحتفل العالم بـ«اليوم العالمي للقمر» (International Moon Day)، وهو يوم أقرّته الأمم المتحدة ليكون مناسبة لتذكر لحظة تاريخية فارقة في تاريخ استكشاف الفضاء، وللتأكيد على أهمية التعاون الدولي في أنشطة الفضاء واستخدامه لأغراض سلمية. وفي ظل تصاعد الاهتمام العالمي بالقمر من جديد، لم يعد الاحتفال مجرد استعادة لذكرى قديمة، بل أصبح نافذة على أهداف علمية وتقنية وسياسية جديدة تتعلق بمستقبل البشر في الفضاء.
لماذا اختير تاريخ 20 يوليو؟
يرتبط اختيار يوم 20 يوليو بالهبوط التاريخي لمهمة «أبولو 11» التابعة لوكالة ناسا على سطح القمر في عام 1969. ففي ذلك اليوم أصبح رائد الفضاء نيل أرمسترونغ أول إنسان يطأ سطح جسم سماوي خارج الأرض، لتتواصل الرحلة بعده مع بز ألدرين، بينما بقي مايكل كولينز في مدار القمر داخل مركبة القيادة. وقد ارتبطت هذه اللحظة بجملة أرمسترونغ الشهيرة: «إنها خطوة صغيرة لإنسان، لكنها قفزة عملاقة للبشرية»، والتي صارت رمزًا لإمكانات الإنسان حين تتضافر المعرفة والقدرات.
متى أعلنت الأمم المتحدة يوم القمر العالمي؟
في عام 2021، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم 76/76 لتخصيص 20 يوليو بوصفه «اليوم العالمي للقمر». ويهدف القرار إلى تعزيز الوعي بأهمية استكشاف القمر بشكل مستدام، وتشجيع التعاون العلمي والتقني بين الدول، مع التأكيد أن الاحتفال لا يقتصر على حدث «أبولو 11» وحده، بل يشمل مختلف إنجازات الدول والمراكز البحثية في استكشاف القمر، سواء عبر بعثات مأهولة أو مهام غير مأهولة.
لماذا عاد القمر إلى صدارة الاهتمام العالمي؟
بعد مرور أكثر من نصف قرن على أول هبوط بشري، عاد القمر ليصبح محط تركيز رئيسي لبرامج الفضاء حول العالم. ويرجع ذلك إلى عدة أسباب متداخلة:
– القمر يُعد «مختبرًا» قريبًا نسبيًا يمكن للعلماء اختبار تقنيات الملاحة والاتصالات والتحمل البيئي المرتبط بالعمل خارج الأرض.
– كثير من خطط وكالات الفضاء والشركات الخاصة ترى في القمر مرحلة تمهيدية قبل التوجه إلى وجهات أبعد مثل المريخ.
– هناك اهتمام متزايد بالبحث عن موارد طبيعية محتملة، أبرزها الجليد المائي في المناطق القريبة من القطبين، داخل فوهات قد تكون مظللة باستمرار.
– تطوير البنى التحتية القمرية مثل أنظمة الهبوط والاتصالات ونظم الطاقة وحلول دعم الحياة وتشغيل المعدات في بيئة منخفضة الجاذبية.
– الاستفادة من القمر كنقطة انطلاق أو «محطة عبور» للرحلات الفضائية العميقة، بما يتطلب بنية لوجستية أكثر كفاءة مقارنة برحلات مباشرة من الأرض.
ومن أبرز الجهات التي تسابق الزمن في هذا المجال: ناسا، والوكالة الأوروبية للفضاء، واليابان، والهند، والصين، إضافة إلى شركات فضاء خاصة تعمل على مركبات هبوط وإمداد ونقل إلى القمر.
برنامج أرتميس: إعادة البشر إلى القمر
يُعد برنامج «أرتميس» (Artemis) أحد أبرز برامج الاستكشاف في العصر الحديث، إذ تقوده ناسا بالتعاون مع شركاء دوليين. وتهدف الخطط ضمن «أرتميس» إلى العودة بالبشر إلى القمر بوتيرة أكثر تنظيمًا، وتطوير القدرة على الإقامة المؤقتة ثم الانتقال إلى وجود أطول مدة، وصولًا إلى بناء أسس لعمليات مستقبلية على سطح القمر. كما تمثل مهام أرتميس خطوة محورية لاستعادة القدرات البشرية على العمل القمري، وتحسين فهم بيئة السطح والغبار القمري، ورفع كفاءة الأنظمة التقنية اللازمة للعيش والعمل خارج الأرض.
أهمية علمية تتجاوز «الذكرى»
للقمر قيمة علمية كبيرة لأنه أقرب جسم سماوي إلى الأرض، ما يجعله فرصة ثمينة لدراسة:
– تاريخ تكوين النظام الشمسي وعلاقة القمر بالأحداث المبكرة التي شكلت الأرض.
– آثار النيازك والكويكبات على الأسطح الكوكبية، وكيف تؤثر هذه التأثيرات في تركيب المواد.
– بيئة الفضاء القريب من القمر، بما فيها الإشعاعات والجسيمات المشحونة، وما يعنيه ذلك من تحديات صحية وتقنية للمستكشفين.
– طبيعة الموارد المحتملة، وعلى رأسها الجليد المائي في مواقع محددة عند القطبين.
ويشير الاهتمام البحثي المتزايد إلى أن هذا الجليد قد يتحول مستقبلًا إلى مورد داعم للحياة عبر إنتاج مياه قابلة للاستخدام، وقد يساهم أيضًا في إنتاج الأكسجين، وحتى في تحضير وقود للصواريخ ضمن مفهوم «الاستخدام المحلي للموارد» (ISRU) الذي يهدف إلى تقليل تكاليف الإمداد من الأرض.
القمر ليس فقط هدفًا… بل اختبار للاستدامة والتعاون
تشدد الأمم المتحدة على أن اليوم العالمي للقمر ليس مجرد احتفاء بإنجاز تاريخي، بل مناسبة لتشجيع الاستخدام السلمي للفضاء، وتعزيز التعاون العلمي بين الدول، وضمان أن تكون الأنشطة القمرية المستقبلية مستدامة وتعود بالنفع على البشرية. كما تُبرز أهمية وضع أطر قانونية وأخلاقية لتنظيم النشاط في الفضاء وحماية البيئة القمرية من الآثار غير المرغوبة، بما يحفظ حق الأجيال المقبلة في الاستفادة من نتائج الاستكشاف العلمي.
في كل عام، يمنح «اليوم العالمي للقمر» فرصة لإعادة النظر في معنى الاكتشاف: كيف يمكن تحويل الحماس العلمي إلى خطط عملية للتعاون، وكيف يمكن للعلم أن يبقى جسرًا بين الأمم بدلًا من أن يكون سببًا للمنافسة المفرطة. وبين أرث «أبولو»، وطموحات «أرتميس»، يبدو القمر أكثر من مجرد جرم في السماء؛ إنه مشروع عالمي مفتوح على المعرفة، ومستقبل إنساني مشترك يعتمد على المسؤولية والتخطيط بعيد المدى.

التعليقات