التخطي إلى المحتوى

قال إبراهيم كابان، مدير مؤسسة الجيوستراتيجي للدراسات، إن الاستعدادات العسكرية الأمريكية الجديدة وتزايد عدد الطائرات ورفع الجاهزية لا تُفهم بمعزل عن سؤال جوهري: ماذا سيحدث في “اليوم التالي” لمسار التصعيد؟ وأضاف أن التحدي يتمثل في ما إذا كانت تتشكل فرص لتقارب بين الأطراف، أم أن الحرب ستستمر بوتيرة أشد، خصوصًا مع تغيّر قواعد اللعبة خلال الأسابيع الماضية.

وأوضح كابان، خلال مداخلة مع الإعلامية داليا نجاتي على قناة القاهرة الإخبارية، أن الطرفين—وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإدارة ترامب—عملا على كسر قيود كانت تُعطل الوصول إلى حلول أو وقفٍ فعلي لاستمرار الحرب خلال الشهر السابق. واعتبر أن كثيرًا من العوائق التي كانت تحد من حرية التحرك العسكري الأمريكي تراجعت إلى حد كبير، ما منح واشنطن مرونة أكبر في المرحلة الراهنة، سواء على مستوى الردع أو خيارات الضغط.

وتابع أن الضربات الإسرائيلية، وكذلك الضربات الإيرانية على إسرائيل، كانت تشكل عامل توتر وضغطًا على الولايات المتحدة، إلا أن وتيرتها تراجعت إلى حد معتبر، وهو ما انعكس على طبيعة المشهد الإقليمي. وبيّن أن هذا التراجع—مهما كانت دوافعه—أفسح المجال أمام تحركات أمريكية أكثر اتساعًا، لأن عامل “الضغط المباشر المتواصل” خفّ مقارنةً بفترات سابقة.

تياران داخل إيران

وأشار كابان إلى أن الداخل الإيراني لا يتعامل مع ملف العلاقة مع الولايات المتحدة بمنطق واحد، بل توجد على الأقل مقاربتان واضحتان. فهناك تيار يميل إلى الذهاب باتجاه المفاوضات مع الولايات المتحدة، لكن بشرط الحصول على ضمانات إقليمية ووضمانات من الدول المشاركة في أي مسار تفاوضي. ويرى هذا التيار أن المفاوضات لا ينبغي أن تكون مجرد نقاشات مفتوحة، بل ترتبط بضمانات ملموسة تقلل من مخاطر التصعيد وتؤمّن مخرجات قابلة للتطبيق.

في المقابل، ذكر كابان وجود تيار آخر أكثر تحفظًا، يخشى الدخول في مفاوضات قد تُفضي إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل النظام. ويؤكد أن هذا التيار يرى أن أي تحرك تفاوضي كبير قد يؤدي إلى تجريد المؤسسات العسكرية والأمنية—وخاصة الحرس الثوري والباسيج—من جزء من الصلاحيات والنفوذ الذي تتمتع به، إضافة إلى تأثيرات محتملة على ملفات ترتبط بمؤسسات أخرى داخل بنية النظام.

ولتعميق الصورة، اعتبر كابان أن هذه المخاوف ليست نظرية فقط، بل تتعلق بحسابات دقيقة للنفوذ والموارد والصلاحيات، وهي عناصر قد تجعل بعض الأطراف داخل إيران أكثر ميلاً للحفاظ على خطوط التصعيد أو على الأقل إبقاء الباب التفاوضي مغلقًا حتى تتضح شروط التسوية. بالتالي فإن مسألة “إمكانية التفاوض” لا تُقاس فقط بوجود رغبة لدى الطرف الآخر، بل كذلك بمدى استعداد الداخل الإيراني لتقديم تنازلات سياسية أو مؤسسية.

أسئلة المرحلة المقبلة

وختم كابان بأن المرحلة المقبلة تُختبر عبر ثلاثة أسئلة متداخلة: أولاً، مدى جدية واشنطن في ترجمة استعداداتها العسكرية إلى ضغط سياسي ونتائج ملموسة. ثانيًا، قدرة المسار الإقليمي على منع تكرار دورات التصعيد. وثالثًا، قدرة إيران—بتياريها المتباينين—على إنتاج موقف داخلي موحد يوازن بين المكاسب المتوقعة من التفاوض وبين تكلفة إعادة توزيع النفوذ والمؤسسات.

وبذلك، يتضح أن ما يجري ليس مجرد رد فعل على ضغوط أمريكية، بل هو صراع على توقيت القرارات وصياغة الشروط: متى يُفتح مسار الدبلوماسية، وما الذي يجب أن تُقدمه الضمانات، وما حدود التنازل الذي يمكن أن يقبله الفاعلون داخل إيران في ضوء حسابات النفوذ والأمن.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *