التخطي إلى المحتوى

كشف الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، تفاصيل مرحلة مبكرة من إطلاق منظومة صرف المعاشات والرواتب إلكترونيًا في مصر عبر شركة «إي فاينانس»، مؤكدًا أن الفكرة لم تولد من فراغ بل جاءت بعد رصد متكرر لمعاناة أصحاب المعاشات أمام منافذ الصرف. وأوضح غالي أن الشرارة كانت واضحة حين شاهد بنفسه مشاهد الانتظار الطويلة التي لا تنتهي إلا بعد عناء وجهد كبيرين، ما دفعه للبحث عن حل يضمن كرامة المستفيدين ويقلل الاحتكاك اليومي مع نقاط الصرف التقليدية.

وجاءت هذه الرؤية بعد ملاحظته أن كثيرًا من المواطنين كانوا يضطرون إلى التواجد مبكرًا منذ منتصف الليل لضمان الحصول على معاشهم في اليوم التالي. وأضاف أن بعض أصحاب المعاشات كانوا يدفعون مبالغ لآخرين للوقوف مكانهم أو لاستلام المستحقات نيابة عنهم، وهو ما اعتبره وضعًا غير مقبول خصوصًا مع محدودية قيمة المعاش في تلك المرحلة. ومن هذا المنطلق، طرح غالي توجهًا يقوم على إصدار بطاقات إلكترونية لصرف المعاشات بدلًا من الاعتماد على التكدس داخل مكاتب الصرف.

وفي سياق تنفيذ الفكرة، أوضح غالي أن إنشاء شركة «إي فاينانس» جاء ضمن هذا التوجه، حيث تم البدء في إصدار بطاقات إلكترونية تتيح للمستفيدين الحصول على مستحقاتهم بصورة أسهل وأسرع دون الحاجة إلى الوقوف الطويل. وتحدث عن أن البنك المركزي واجه المشروع في بداياته بتحفظ، نظرًا لتداخل الموضوع مع مجال بطاقات الصرف، غير أن المناقشات استمرت إلى أن تم توضيح الفارق بين بطاقات صرف المعاشات وبين البطاقات المصرفية التقليدية، وهو ما مهّد الطريق للموافقة على تنفيذ المنظومة.

كما أشار وزير المالية الأسبق إلى أن نجاح تجربة صرف المعاشات عبر الكروت الإلكترونية شجع على توسيع نطاقها لتشمل رواتب العاملين بالدولة. فبعد أن اتضح أن التحول إلى الصرف الإلكتروني يقلل الازدحام ويحسن تجربة المستفيد، تم التفكير في تحويل الرواتب إلى حسابات بنكية، بما يتيح للموظفين صرف مستحقاتهم عبر ماكينات الصراف الآلي بدلًا من انتظار دورهم في مكاتب الصرف.

ولتعزيز انتشار الخدمة وتسهيل الوصول، ذكر غالي أنه تم عرض فكرة تمويل تركيب نحو 1500 ماكينة صراف آلي على نفقة وزارة المالية، بهدف توسيع القدرة الاستيعابية وتقديم الخدمة لأكبر عدد ممكن من المستفيدين. وأوضح أن تنفيذ هذه الخطوة استغرق وقتًا حتى حظيت بالموافقة، ثم بدأت المنظومة تتوسع تدريجيًا.

وعلى مستوى النتائج، شدد غالي على أن المشروع لم يقتصر أثره على الجانب الخدمي فقط، بل أنتج فوائد اجتماعية واقتصادية ملموسة. وذكر أن عددًا من الموظفين أبلغوه بأن دخولهم الفعلية ارتفعت بعد تطبيق المنظومة، ليس بسبب زيادة الرواتب، وإنما نتيجة انخفاض تكلفة الانتقال. فبدلًا من الاضطرار لاستخدام سيارات الأجرة مرات متعددة أو حمل مبالغ نقدية كبيرة، أصبح بإمكانهم الاعتماد على قنوات الصرف الإلكترونية بشكل أكثر تنظيمًا وأمانًا.

واختتم غالي حديثه بالإشارة إلى أن التحول إلى الصرف الإلكتروني شكل خطوة ضمن مسار أوسع من التحول الرقمي في الخدمات الحكومية. فمن خلال تقليل الأعباء على المواطنين، وتعزيز الشمول المالي عبر ربط المستحقات بوسائل صرف حديثة، وفتح المجال لتطوير مزيد من القنوات الرقمية، أصبحت منظومة صرف المعاشات والرواتب نموذجًا عمليًا لكيف يمكن للأنظمة المالية الحديثة أن تتحول إلى حل اجتماعي يعالج مشكلة ازدحام يومي ويحمي وقت وكرامة المستفيدين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *