التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن نجاح أي برنامج للإصلاح الاقتصادي لا يعتمد فقط على وجود خطط مكتوبة، بل يرتبط أساسًا بوجود قيادة تمتلك رؤية واضحة وقدرة على اتخاذ القرارات الصعبة في توقيتها المناسب. وشدد غالي على أن تأجيل الإصلاحات ينعكس سلبًا على الدولة والمواطنين، إذ تتحول الأعباء من إجراءات يمكن إدارتها تدريجيًا إلى كلف أكبر وأكثر تعقيدًا على المدى اللاحق.

قيادة تتحرك نحو القرار بدل انتظار التعقيدات

وأوضح غالي أن التجربة الحالية في إدارة الملف الاقتصادي تميزت بالجرأة في تنفيذ قرارات كان يُفترض حسمها منذ سنوات. ورأى أن اتخاذ القرار في وقت مبكر يحد من تراكم الضغوط المالية والاجتماعية، ويمنح برامج الإصلاح فرصة أكبر لتحقيق أثر إيجابي ملموس بدلًا من أن تتسع فجوات التمويل أو تتعقد آثارها.

وخلال حديثه، استعرض جزءًا من تجربته حين تولى وزارة المالية، مبرزًا أن هناك ملفات حساسة كانت مطروحة ضمن خطط سابقة للتحريك، إلا أن الظروف آنذاك لم تسمح بالمضي قدمًا. وأشار إلى أنه سبق أن طرحت مقترحات لتحريك أسعار الطاقة، ومنها أسعار الوقود، لكنها لم تحظَ بالموافقة في ذلك الوقت.

رؤية للمستقبل وتوازن بين الحسم والمصلحة العامة

ثم انتقل غالي للحديث عن طبيعة الإصلاحات التي تنفذها الدولة، مؤكدًا أن القيادة السياسية الحالية تتعامل مع هذه الملفات وفق منهج واضح يجمع بين الحسم واتخاذ القرار عندما تصبح الضرورة قائمة. وقال إن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتعامل مع الملفات الاقتصادية بمنطق يعتمد على توقيت القرار وترتيب الأولويات بما يحقق المصلحة العامة ويخدم الاستقرار.

وأضاف أن امتلاك القيادة لرؤية وطموح واضحين يساهم في تسريع تنفيذ خطط الإصلاح، كما يقلل احتمالات الانحراف أو التباطؤ في التنفيذ. وبيّن أن اتخاذ القرارات الصعبة في وقتها الصحيح يجنب الدولة أعباء أكبر في المستقبل، خصوصًا عندما تتفاقم آثار اختلالات كانت قابلة للمعالجة التدريجية.

فريق اقتصادي يدرك منطق الإصلاح التدريجي

وفي سياق تجربته بالحكومة خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، استعرض غالي كيف كانت المجموعة الاقتصادية تفهم أهمية تنفيذ الإصلاحات بشكل تدريجي، مع وضع خريطة طريق واضحة لمعالجة الاختلالات الهيكلية. وذكر أن من أبرز هذه الملفات إعادة هيكلة منظومة دعم الطاقة بوصفها نقطة ارتكاز في كثير من جوانب التوازن الاقتصادي.

ماذا لو تم التحرك مبكرًا؟

وأشار وزير المالية الأسبق إلى أن تطبيق زيادات محدودة ومتدرجة في أسعار الطاقة على مدار سنوات كان يمكن أن يخفف من حدة الإجراءات اللاحقة. فمع تأجيل الإصلاحات، تقلصت مساحات المناورة، واتجهت الدولة في النهاية إلى تنفيذ زيادات أكبر وبصورة أكثر تكلفة، وهو ما ينعكس على حجم التحديات التي تواجه الاقتصاد.

وكشف غالي للمرة الأولى أنه تقدم خلال توليه وزارة المالية بمقترحات لتحريك أسعار بعض أنواع الوقود مثل السولار، إلا أن المقترحات لم تُعتمد في ذلك الوقت. وأكد أن هذا النوع من القرارات—رغم صعوبته—عندما يُؤجل قد يؤدي إلى تضاعف حجم الكلفة لاحقًا بدلًا من توزيعها تدريجيًا.

الإصلاحات الاقتصادية: الفاعلية ترتبط بالتوقيت

وختم غالي تصريحاته بالتأكيد على أن الإصلاحات الاقتصادية، مهما كانت حساسة، تصبح أكثر فاعلية عندما تُنفذ في الوقت المناسب. كما أشاد بالنهج الحالي الذي يركز على اتخاذ القرارات اللازمة لتحقيق الاستقرار ودعم مسار التنمية، مع مراعاة ضرورة بناء الثقة وتحسين كفاءة الإنفاق ورفع قدرة الاقتصاد على مواجهة التحديات.

وبحسب ما قدمه غالي، فإن جوهر الدرس المتكرر في تجارب الإصلاح هو أن التأجيل لا يلغي الحاجة للإجراءات، وإنما يزيد ثمنها—ماليًا واجتماعيًا—ما يجعل الحسم والقدرة على التنفيذ في توقيتهما الصحيحين عنصرًا أساسيًا لنجاح التحول الاقتصادي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *