التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن تفضيل شريحة من المواطنين للقطاع العام على حساب القطاع الخاص لا يرتكز على واقع سوق العمل الحالي، بل يعود إلى أفكار ومفاهيم تشكلت في المجتمع منذ عقود وترسخت خلال مراحل تاريخية سابقة. وأضاف أن هذه الصورة لم تعد دقيقة، خصوصًا مع تغير طبيعة التوظيف ومتطلبات الإنتاج والقدرة على المنافسة.

## الصورة الذهنية التي رسّخت “الأمان” في القطاع العام
وأوضح غالي، خلال ظهوره في بودكاست “موعد مع لميس” التي تقدّمها الإعلامية لميس الحديدي، أن الصورة الذهنية السائدة منذ ثورة يوليو 1952 جعلت كثيرين يعتقدون أن القطاع العام هو الخيار الأكثر استقرارًا وأقل مخاطرة. ورأى أن الواقع العملي اليوم يثبت أن القطاع الخاص لعب دورًا مؤثرًا في النمو الاقتصادي وفتح فرص عمل متجددة، بما يتناسب مع احتياجات السوق.

ولفت إلى أن الوصول إلى النجاح في القطاع الخاص لا يأتي عبر الحظ أو السهولة، بل نتيجة سنوات طويلة من العمل المستمر، والاجتهاد، وبناء الخبرة عمليًا. وأكد أن طبيعة المنافسة في القطاع الخاص تفرض التزامًا عاليًا بالإنتاجية وتحمل المسؤولية، وهو ما ينعكس على جودة المخرجات ونجاح المشروعات.

## تصحيح فكرة تعميم الفشل على رجال الأعمال
وأشار الوزير الأسبق إلى أن تعميم صورة سلبية عن رجال الأعمال غير صحيح، لأن حالات الفشل أو المخالفات يمكن أن تظهر في أي قطاع، إلا أنها ليست القاعدة ولا تمثل الصورة العامة. وبيّن أن العديد من رجال الأعمال الناجحين بنوا مشروعاتهم عبر مسار طويل من التخطيط والعمل والانضباط، وليس عبر ادعاءات أو فرص عابرة.

## لماذا يستمر القطاع الخاص في العمل والاستثمار؟
وأضاف غالي أن أصحاب الشركات الناجحة غالبًا ما يواصلون العمل لساعات أطول يوميًا من أجل حماية استثماراتهم وتحسين الأداء وتطوير منتجاتهم وخدماتهم. واعتبر أن النجاح في القطاع الخاص يرتبط بالإدارة الجيدة واتخاذ القرارات بناءً على مؤشرات الأداء واحتياجات العملاء، فضلًا عن القدرة على إدارة المخاطر بدلًا من تجنبها.

## الفارق الجوهري: أسلوب إدارة العاملين
وأوضح أن الاختلاف الأساسي بين القطاعين العام والخاص يتمثل في طريقة إدارة العاملين. فبينما يعتمد القطاع الخاص على الكفاءة والإنتاجية وقياس الأداء، ويعمل على استبعاد الموظف غير القادر على تنفيذ مهامه بكفاءة، ترتكز بيئة العمل في القطاع العام على الاستقرار الوظيفي بدرجة أعلى، حيث لا يكون إنهاء الخدمة هو الخيار الأول بالضرورة. وأوضح أن هذا الفارق يسهم في تكوين قناعة لدى البعض بأن القطاع العام أكثر أمانًا.

ومع ذلك، شدد غالي على أن الأمان الحقيقي يجب أن يُقاس بقدرة الاقتصاد على توفير فرص مستدامة، وبمدى قدرة سوق العمل على خلق وظائف جديدة ترتبط بالإنتاج والاستثمار وليس بمجرد الاستقرار الإداري.

## القطاع الخاص كمحرك للاستثمار وفرص العمل
وأكد غالي أن هذا الواقع يدفع بعض المواطنين للاعتقاد بأن القطاع العام أقل مخاطرة، رغم أن القطاع الخاص يُعد المحرك الرئيسي للاستثمار وخلق فرص العمل. وأوضح أن الاستثمار في القطاع الخاص عادة ما يتطلب مبادرات واستراتيجيات تشغيل وتوسع، ما يعني وظائف مباشرة في الشركات، وأخرى غير مباشرة عبر سلاسل الإمداد والخدمات المرتبطة.

## تغيير النظرة المجتمعية وتعزيز الشراكة
وشدد على ضرورة تغيير المفاهيم القديمة والتعامل بواقعية مع طبيعة كل قطاع، عبر إبراز النماذج الناجحة التي ساهمت في دعم الاقتصاد الوطني. كما اعتبر أن تحقيق التنمية يتطلب شراكة حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص، بحيث تتكامل السياسات العامة مع مبادرات الاستثمار، وتتوفر بيئة تساعد على إطلاق المشاريع وتوسيعها.

واختتم بأن تعزيز فرص العمل لن يتحقق عبر تفضيل نمط وظيفي على آخر فقط، بل عبر دعم منظومة إنتاج وتشجيع استثمار فعّال، ما يخلق مسارات متعددة للتوظيف ويزيد من قدرة الاقتصاد على المنافسة والاستمرار.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *