التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور يوسف بطرس غالي، وزير المالية الأسبق، أن التحدي الأكبر الذي يواجه الموازنة العامة المصرية يتمثل في الدين العام، موضحًا أنه يمثل قرابة 65% من الاستخدامات، وهو ما يثقل كاهل الإنفاق ويبطئ حركة الموازنة ويحد من مرونة اتخاذ القرار المالي. وأشار إلى أن الحل الجوهري لا يقتصر على إدارة جانب الاقتراض وحده، بل يرتكز بالأساس على تنمية الدخل ورفع معدلات النمو.

جاء ذلك خلال حديثه في بودكاست «موعد مع لميس» الذي تقدمه الإعلامية لميس الحديدي، حيث أوضح أن معالجة المديونية تحتاج إلى فلسفة اقتصادية واضحة: لا يمكن اعتبار الدين مجرد رقم ثابت، بل يجب النظر إليه مقارنةً بقدرة الاقتصاد على توليد الموارد. فحين ترتفع دخول الأفراد والقطاعات وتتوسع قاعدة الإيرادات، تصبح خدمة الدين أكثر قابلية وتتحسن مؤشرات الاستدامة.

وفي سياق سؤالها عن ما إذا كان الحل «بإيقاف الاقتراض أو الحد منه» أم «بتنمية الدخل»، شدد غالي على مبدأ أن الاقتراض يتم ضمن حدود الموارد المتاحة، قائلًا إن المشكلة الحقيقية تظهر عندما يكون حجم الدين أكبر من قدرة الدخل على استيعابه. وطرح مثالًا مبسطًا: إذا كان الشخص مديونًا بـ1000 جنيه ودخله 200 جنيه، فستكون هناك أزمة واضحة في القدرة على السداد، بينما إذا كان الدين نفسه 1000 جنيه والدخل ارتفع إلى 5000، فستتغير الصورة جذريًا وتختفي حدة المشكلة.

وفي رد مباشر على فكرة أن المواطن قد يكون دخله محدودًا لكنه مضطر للاقتصاد ويدفع احتياجات أساسية مثل التعليم والصحة والكهرباء، لفت غالي إلى أن الاستدانة ليست خيارًا عبثيًا، لكنه أكد أيضًا أن الاقتصاد لا يملك بديلًا كاملاً عن إدارة الدين في المدى القصير. ومع ذلك، إذا استدانت الدولة وبدأ الاقتصاد يتحسن وحقّق نموًا مرتفعًا—مثل مستويات 7% أو ما يقترب منها—فإن الدخل عادة يتحسن بشكل أسرع من الزيادة في الدين، ما يؤدي تدريجيًا إلى تحسن نسبة الدين إلى الدخل.

وأضاف أن الاقتصاد المصري—وفق المعطيات المتداولة في الوقت الراهن—يشهد «فائضًا أوليًا»، أي أن الموارد المتاحة بعد استبعاد جزء الفوائد المتعلقة بالدين تكون أكبر من النفقات. ووفقًا لهذا المنطق، فإن الدين لا يزيد تلقائيًا إلا بما تقابله الفوائد المدفوعة، وبذلك يبدأ مسار نسبة الدين إلى الدخل في التحسن. وأوضح أن هذا هو المعنى الاقتصادي الأهم: ليس الهدف أن ينخفض الدين عدديًا بشكل فوري فقط، بل الأهم أن تتراجع نسبة الدين إلى دخل الاقتصاد تدريجيًا، لأن ذلك يعكس تحسن القدرة الحقيقية على السداد.

ولتعزيز الاستدامة، يمكن—حسب هذا التصور—ربط إدارة الدين بحزمة سياسات تدعم النمو والإيرادات، مثل تحسين كفاءة الإنفاق، وتوسيع قاعدة تحصيل الإيرادات بصورة عادلة، وتشجيع الاستثمار المنتج وخلق فرص عمل ترفع الدخول. كما أن الاستثمار في القطاعات ذات الأثر المباشر على النمو طويل المدى، كالتعليم والصحة والبنية التحتية، يساعد في رفع الإنتاجية وبالتالي زيادة قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها دون تعميق الأعباء.

في ختام حديثه، أكد غالي أن الرسالة الأساسية هي أن نجاح السياسة المالية لا يُقاس فقط بحجم الدين، بل بتغير «نسبة الدين إلى الدخل»، وأن الهدف النهائي هو أن هذه النسبة هي التي تبدأ في الانخفاض بفضل نمو الاقتصاد وتوسع الموارد.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *