رفع بنك كوريا الجنوبية سعر الفائدة الرئيسي للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، وذلك في خطوة تهدف إلى تشديد السياسة النقدية للحد من آثار التضخم، خصوصاً مع استمرار الضغوط الناجمة عن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وما يتصل بها من اضطرابات في سلاسل الإمداد. وتأتي الزيادة أيضاً ضمن محاولة للحد من مخاطر ارتفاع ديون الأسر، لا سيما مع بقاء الضغوط المرتبطة بأسعار العقارات والقدرة الشرائية للمستهلكين.
وأوضح البنك، عقب اجتماع للسياسة النقدية، أنه قرر رفع سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية من 2.5% إلى 2.75%. وتُعد هذه أول زيادة منذ يناير 2023، بعد فترة طويلة من الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير أو خفضها في سنوات سابقة. وفي تلك المرحلة، فضّل واضعو السياسة دعم الاقتصاد الذي يعتمد بدرجة كبيرة على التجارة، في مواجهة صدمات جيوسياسية وموجات توتر أثرت في بيئة الأعمال.
ويرتبط قرار التشديد بمجموعة عوامل متداخلة؛ إذ يرى صناع القرار أن تكلفة الاقتراض قد تحتاج إلى أن ترتفع نسبياً لتخفيف وتيرة نمو الائتمان لدى الأفراد والشركات، ولإبطاء أي توسع قد يزيد الضغوط التضخمية. كما يعكس القرار تقدماً في صورة الاقتصاد الكوري مقارنةً بالتوقعات السابقة. ومن أبرز الأسباب التي دفعت باتجاه الرفع تحسن النشاط مدفوعاً بقوة قطاع أشباه الموصلات.
فقد ساهمت الطفرة العالمية في الإنفاق على تقنيات الذكاء الاصطناعي في تعزيز الطلب على الرقائق، ما انعكس إيجاباً على الصادرات وعلى نتائج الشركات المرتبطة بسلاسل الإمداد التقنية. هذا الأداء الأفضل من المتوقع أعطى البنك مساحة أكبر لبدء دورة تشديد تدريجية، بدلاً من الاستمرار في سياسة أسعار فائدة منخفضة لفترة أطول.
في المقابل، تُعد متابعة التضخم والائتمان وسوق العقار محاور أساسية لقرارات البنك المقبلة. فمع ارتفاع الفائدة، غالباً ما تترجم التغيرات بسرعة إلى كلفة القروض الاستهلاكية والرهن العقاري، ما قد يساهم في تقليص الطلب وتخفيف الضغوط على الأسعار بمرور الوقت. كما قد يؤثر القرار على توقعات المستثمرين وعلى حركة العملة، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى تحقيق توازن بين ضبط التضخم ودعم النمو.
ومع استمرار التحديات العالمية، بما فيها الرسوم الجمركية والاضطرابات الجيوسياسية، يهدف بنك كوريا الجنوبية إلى توجيه السياسة النقدية نحو مسار أكثر اتساقاً مع هدف الاستقرار السعري. وتوضح هذه الخطوة أن البنك انتقل من مرحلة التركيز على دعم الاقتصاد إلى مرحلة تشديد تدريجي لمواجهة تضخمٍ يتفاقم مع عوامل خارجية، وللحد من تراكم المخاطر المرتبطة بديون الأسر.

التعليقات