التخطي إلى المحتوى

أكد اللواء محمد الغباري، مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق، أن التصعيد العسكري المتصاعد في المنطقة لا يتمحور حول استهداف إيران بشكل مباشر، بل يُنظر إليه—بحسب تفسيره—كجزء من استراتيجية أوسع تسعى إلى تعزيز وتعميق الوجود الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط. ويأتي ذلك، وفقاً لرؤيته، عبر إحكام السيطرة على الممرات البحرية الحيوية التي تضمن تدفق التجارة والطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز وباب المندب، بوصفهما نقاطاً مؤثرة في ميزان الأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.

وأوضح الغباري، خلال ظهوره في برنامج “الحياة اليوم” عبر فضائية “الحياة”، أن الولايات المتحدة تمتلك خبرة طويلة في المنطقة تمتد إلى ستينيات القرن الماضي، ما يمنحها—من وجهة نظره—فهما دقيقا لطبيعة التكوين العسكري الإيراني وقدراته، إضافة إلى إدراكها لكيفية توظيف ملف إيران سياسياً وأمنياً. وأشار إلى أن واشنطن قد تستخدم هذا الملف كغطاء أو تبرير لاستمرار انتشارها العسكري أمام دول المنطقة، بما يحول القضية الإيرانية إلى عنوان جامع يبرر توسيع التواجد وتحويله إلى ممارسة دائمة.

وأضاف أن الهدف الذي يسعى إليه هذا التوجه يرتبط بتأمين وجود عسكري مستمر داخل منطقة تتميز بأهمية جغرافية عالية، وتوفر إمكانات عملية للتخزين والانتشار والتعزيز السريع. فالموقع الجغرافي—وفقاً لتحليله—يمنح القدرة على جعل القوات قادرة على التحرك في اتجاهات متعددة، بما يسهّل إعداد قاعدة انطلاق لخطط مستقبلية، وخاصة نحو مناطق ذات امتدادات آسيوية أو طرق حيوية تؤثر في طرق التجارة العالمية.

كما شدد على أن إنشاء القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة الخليج لم يكن—بحسب تقديره—هدفه الرئيس حماية دول المنطقة بقدر ما وفّر مبررات لاستدامة وجود عسكري طويل الأمد يخدم المصالح الإستراتيجية الأمريكية. وفي هذا السياق، يمكن فهم الأمر على أنه انتقال من “وجود مؤقت مرتبط بتهديدات محددة” إلى “وجود بنيوي” هدفه التحكم في الإيقاع الأمني للمنطقة وتقليل المفاجآت، عبر منظومة قواعد ومراكز قيادة واستطلاع وتعاون عسكري مع شركاء إقليميين.

ولتعميق الفهم، يرى الغباري أن السيطرة على الممرات البحرية ليست مسألة أمنية فقط، بل هي أيضاً ورقة نفوذ اقتصادية واستراتيجية. فمضيق هرمز يمثّل عقدة رئيسية لمرور النفط والغاز والتأثير المباشر على أسواق الطاقة، بينما يُعد باب المندب بوابة محورية للربط بين البحر الأحمر وممرات المحيط الهندي، ما يجعلهما معاً عاملين ينعكسان على الأمن الغذائي والاقتصادي للدول ذات الاعتماد على التجارة البحرية. لذلك، فإن أي توتر في هذه المناطق قد يُستثمر—سياسياً—لتوسيع نطاق الوجود العسكري وتبرير تطوير القدرات والتجهيز.

وفي المحصلة، يقدّم الغباري قراءة ترى أن الملف الإيراني يُوظَّف ضمن معادلة أوسع لإدارة الصراعات وتثبيت قواعد انتشار القوات، بينما تبقى الممرات البحرية الاستراتيجية الهدف الأبرز من منظور السيطرة والردع. وتُترجم هذه الرؤية إلى استمرار حضور الولايات المتحدة بوصفها فاعلاً مؤثراً في مسارات الأمن البحري والجوي، مع مراعاة أن هذا الحضور يظل مرتبطاً بالقدرة على التأثير في مسارات الطاقة والتجارة، وبناء حالة من الاستمرارية العسكرية التي تضمن مرونة التحرك في أي سيناريو إقليمي لاحق.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *