التخطي إلى المحتوى

وافقت الولايات المتحدة على خطوة قد تعيد تعريف مفهوم “الإنارة الليلية” في السنوات المقبلة، عبر مشروع فضائي غير تقليدي تنوي شركة Reflect Orbital الناشئة — ومقرها في كاليفورنيا — إطلاق أول قمر تجريبي له يحمل مرآة عملاقة هدفها عكس ضوء الشمس نحو مناطق محددة على سطح الأرض بعد حلول الظلام. وقد منحت لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC) الشركة تصريحًا لإطلاق القمر التجريبي Eärendil-1 لاحقًا هذا العام في مدار أرضي منخفض.

تقوم فكرة المشروع على استغلال ضوء الشمس حتى عندما يكون الليل قائمًا في مواقع على الأرض، بحيث تُحوِّل المرآة الموجودة في الفضاء أشعة الشمس إلى بقعة ضوئية واسعة ضمن “مساحة مستهدفة” ليلاً. ويُفترض أن يفتح ذلك الباب أمام تطبيقات متعددة، أبرزها دعم إنتاج الكهرباء من مزارع الطاقة الشمسية، وتعزيز خطط الاستجابة للطوارئ، وحتى إضاءة مواقع العمل والبنية التحتية في المدن والطرق أثناء ساعات الظلام.

كيف تعمل مرآة القمر الصناعي؟

بحسب ما ورد عن الشركة، يعتمد القمر التجريبي على مرآة مربعة كبيرة نسبيًا مقارنة بالبنية الحالية لكثير من الأقمار الصناعية التجريبية، إذ تشير المعلومات إلى أن طولها يقارب 60 قدمًا (حوالي 18 مترًا). بمجرد وصول القمر إلى ارتفاع يقارب 400 ميل (حوالي 640 كيلومترًا) فوق سطح الأرض، تُصمَّم المرآة لإعادة توجيه ضوء الشمس إلى منطقة دائرية على الأرض يبلغ عرضها نحو ثلاثة أميال (حوالي خمسة كيلومترات).

وتوضح الشركة أن الضوء المنعكس قد يساعد في الحفاظ على عمل بعض التطبيقات بعد غروب الشمس، مثل إبقاء مزارع الطاقة الشمسية قادرة على توليد كهرباء إضافية خلال ساعات الليل، إضافة إلى دعم فرق الإنقاذ في مناطق الكوارث من خلال تحسين الرؤية مؤقتًا. كما يجري طرح استخدامه كحل يساعد على استكمال أعمال البناء بأمان خلال الليل بدلًا من الاعتماد الكلي على الإضاءة الأرضية المكلفة أو محدودة السطوع.

خطط للتوسع: من 1000 قمر إلى عشرات الآلاف

لا يقتصر المشروع على نموذج واحد؛ إذ تعتزم Reflect Orbital — وفق خططها — بناء منظومة أوسع من الأقمار. فبعد إطلاق أول نموذج تجريبي، تهدف الشركة إلى نشر ما يقارب 1000 قمر صناعي أكبر بحلول عام 2028، على أن تتوسع الكوكبة لاحقًا إلى ما يصل إلى 50,000 قمر صناعي بحلول عام 2035.

ومن المتوقع أن تكون مرايا الأجيال اللاحقة أكبر بكثير من مرآة النسخة التجريبية؛ وتشير التقديرات إلى إمكانية وصول أبعاد المرايا المستقبلية إلى نحو 180 قدمًا (حوالي 55 مترًا) من حيث العرض، وأن تسهم هذه الإضاءة المخططة في مستويات سطوع تقارن تقريبًا بضوء ناتج عن عدد كبير من الأقمار المكتملة (بحسب ما تذكره الشركة ضمن إطار المقارنات التسويقية).

لكن المشروع يواجه اعتراضات قوية من المجتمع العلمي

رغم الطابع الطموح للتقنية، أثارت الخطوة جدلًا واسعًا بين علماء الفلك والباحثين في مجال البيئة الضوئية. فقد أبدت الجمعية الفلكية الأمريكية تحفظات رسمية في رسالة إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية (FCC)، مؤكدة أن الاقتراح لا يخدم المصلحة العامة، وأنه قد يؤثر بشكل خطير على الملاحظات الفلكية.

ويرى علماء الفلك أن الانعكاسات الساطعة القادمة من الفضاء قد تطغى على إشارات التلسكوبات، خصوصًا عند دراسة الأجرام البعيدة والخافتة التي تتطلب سماء ليلية مظلمة نسبيًا. وهذا قد يعني تراجعًا في جودة الرصدات العلمية أو ارتفاع تكاليف المعالجة والتعويض لتقليل أثر التشويش الضوئي.

كما نقلت تقارير عن مخاوف تتعلق بتأثير تغيّر الإضاءة على الكائنات الحية وصحة الإنسان. إذ تشير التحذيرات إلى أن الإضاءة الاصطناعية في الليل قد تعطل الإيقاعات البيولوجية التي تنظّم النوم والتغذية والهجرة والتكاثر لدى البشر والحيوانات والنباتات. إضافة إلى ذلك، هناك قلق من إمكانية تشتت انتباه السائقين والطيارين بسبب ومضات أو تغيّر موضع البقعة الضوئية تبعًا لحركة المرآة، وهو ما قد يفرض تحديات تتعلق بالسلامة المرورية والجوية.

لماذا وافقت FCC رغم ذلك؟

توضح لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية أن اختصاصها الأساسي يتمحور حول تنظيم الاتصالات عبر الأقمار الصناعية وترددات الراديو، وليس إجراء تقييم شامل لكافة الآثار البيئية المحتملة. وفي سياق قرار الموافقة، اعتبرت اللجنة التقنية “مبتكرة” وقد تعزز القيادة الأمريكية في الفضاء.

كما أشارت الوكالة إلى أن اللوائح الأمريكية الحالية قد لا تتضمن اشتراط مراجعات بيئية كاملة للأنشطة التي تتم في الفضاء الخارجي، وهو ما جعل عملية تقييم المخاطر الأوسع (الضوئية والبيئية) أقل حضورًا ضمن مسار الموافقة.

هل الفكرة جديدة بالكامل؟

ليست الفكرة وليدة اليوم. فقد جربت روسيا في عام 1993 — وفق السرد التاريخي المتداول — تجربة مرآة فضائية عاكسة على نطاق محدود لوقت قصير، بهدف عكس ضوء الشمس إلى أجزاء من سيبيريا قبل أن يتوقف المشروع لاحقًا نتيجة إخفاقات مرتبطة ببرنامج تقني أوسع. وهذا يعني أن التحدي ليس نظريًا تمامًا، بل أن التقييم الحقيقي يكمن في مدى قدرة التقنية على العمل بشكل موثوق على نطاق واسع، ومدى نجاحها في تقليل الأضرار الجانبية مثل التشويش الضوئي والتحكم الدقيق في توجيه الضوء.

يبقى أن هذا المشروع يضع المجتمع العلمي والجهات التنظيمية والقطاع الصناعي أمام سؤال مركزي: هل يمكن أن تتحول إضاءة “نهارية مصطنعة” من فكرة طموحة إلى حل عملي، دون أن تتحول السماء الليلية إلى مصدر تشويش بيئي وعلمي وسلامي؟

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *