تكشف دراسة حديثة عن دور محوري لمروج الأعشاب البحرية في تحسين الوضع الغذائي للمجتمعات الساحلية المعرضة للخطر، لاسيما في شرق أفريقيا، حيث يعتمد ملايين الأشخاص على صيد الأسماك كمصدر أساسي للغذاء والدخل. أجرت الدراسة فرق بحث من جامعة ستوكهولم بالتعاون مع مشروع “سيجراس”، وركّزت على مقارنة القيمة الغذائية للأسماك التي يتم اصطيادها من مروج الأعشاب البحرية مقابل تلك التي تُجمع من الشعاب المرجانية القريبة.
واستندت الدراسة إلى بيانات من 20 حقلًا لمروج الأعشاب البحرية و20 شعابًا مرجانية تمتد على طول نحو 3000 كيلومتر من الساحل الشرقي للقارة، من كينيا حتى موزمبيق. وقد خلص الباحثون إلى أن المجتمعات السمكية المرتبطة بمروج الأعشاب البحرية تمتلك في المتوسط “كثافة غذائية” أعلى بنحو 1.6 مرة مقارنة بالمناطق القريبة من الشعاب المرجانية.
ولتعميق الفهم، لم يكتفِ الباحثون بدراسة العناصر الغذائية بشكل منفصل، بل قاموا بتقييم “القيمة الغذائية الإجمالية” للأسماك باعتبارها غذاءً متكاملًا. وتم قياس ستة مكونات غذائية أساسية لصحة الإنسان، تشمل: الكالسيوم، والحديد، والزنك، والسيلينيوم، وفيتامين أ، وأحماض أوميجا 3 الدهنية. ووفقًا لنتائج الدراسة، تقدم الأسماك التي تُصاد من مروج الأعشاب البحرية مزيجًا أكثر قوة من هذه العناصر مقارنةً بالأسماك المستخرجة من الشعاب المرجانية.
أحد أهم ما يميز النتائج هو أن الأسماك لا توفر عنصرًا غذائيًا واحدًا فقط، بل تعمل كحزمة متكاملة من المغذيات. ويشير كبير مسؤولي الحفاظ على البيئة في مشروع الأعشاب البحرية، الدكتور بنجامين جونز، إلى أن السمكة الواحدة قد تجمع بين الحديد والزنك والكالسيوم والسيلينيوم وفيتامين أ وأحماض أوميجا 3 في آنٍ واحد. كما يلفت إلى أن الشعاب المرجانية قد تضم أعدادًا أكبر من الأسماك عمومًا، لكن مروج الأعشاب البحرية تتفوق في تنوع الأنواع التي تُعد أساسية للغذاء المحلي.
وتوضح الدراسة أن مروج الأعشاب البحرية ليست مجرد “موائل” للأسماك أو مواقع لتراكم الكربون، بل تُعد بنية تحتية غذائية طبيعية تسهم بشكل مباشر في دعم التغذية البشرية. ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة في المناطق الاستوائية حيث تتقاطع ضغوط الفقر مع تحديات الوصول إلى غذاء متنوع وغني بالمغذيات.
في المقابل، ورغم استمرار أهمية الشعاب المرجانية، فإن كلا النظامين البيئيين يواجه ضغوطًا متزايدة. فالشعاب المرجانية تتعرض لخطر الصيد الجائر وتزايد درجات حرارة المحيطات. أما مروج الأعشاب البحرية فتتراجع أيضًا بوتيرة مقلقة نتيجة الإنشاءات الساحلية، والنفايات الصناعية، والأضرار الناجمة عن الأنشطة البشرية، إضافةً إلى التلوث الذي تنقله الأنهار من المزارع والمدن.
وتؤكد الدراسة أن جهود الحفاظ البيئي ينبغي ألا تقتصر على نظام واحد فقط. فهي لا تقترح استبدال حماية الشعاب المرجانية بالحفاظ على الأعشاب البحرية، بل تدعو إلى دعم كلا الموائل ضمن خطط إدارة متكاملة. وتبرر الدراسة ذلك باختلاف الأدوار: فالشعاب المرجانية قد تكون أكثر قدرة على إنتاج كمية أكبر من الأسماك عمومًا، بينما توفر مروج الأعشاب البحرية وصولًا أوسع إلى أنواع غذائية محددة تقدم مزيجًا قيّمًا من العناصر الغذائية التي يحتاجها السكان.
كما تضيف النتائج بعدًا تنمويًا مهمًا: فقدان مروج الأعشاب البحرية لا يعني فقط خسارة موائل بحرية، بل قد يؤدي أيضًا إلى فقدان مصدر غذائي لملايين الأشخاص الذين يواجهون بالفعل فجوات غذائية. وبناءً على ذلك، فإن حماية المروج البحرية تُعد استراتيجية مزدوجة تجمع بين الحفاظ على التنوع البيولوجي وتحسين الأمن الغذائي ودعم سبل العيش في المجتمعات الساحلية.

التعليقات