التخطي إلى المحتوى

في ظل بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها أزمات غزة والتوترات الأمريكية-الإيرانية ومخاطر البحر الأحمر والقرن الأفريقي، تواصل الدبلوماسية المصرية تقديم نفسها كأداة رئيسية لحماية الأمن القومي وتعزيز المصالح الحيوية لمصر. وفي هذا السياق، أكد وزير الخارجية والهجرة والتعاون الدولي الدكتور بدر عبد العاطي، خلال لقاء عبر برنامج “حقائق وأسرار” على فضائية “صدى البلد” مع الإعلامي مصطفى بكري، أن القاهرة تتمسك بثوابتها إزاء الملفات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها رفض أي محاولات لفرض واقع جديد عبر التهجير أو تقسيم الدول، مع العمل في الوقت ذاته على دعم استقرار الدول العربية والأفريقية.

وشملت تصريحات عبد العاطي ملفات شديدة الحساسية، يأتي على رأسها الحرب في قطاع غزة ورفض تهجير الفلسطينيين، إضافة إلى تداعيات التصعيد الأمريكي الإيراني على المنطقة، وأولوية أمن السعودية، ووحدة اليمن، وصون سلامة الصومال. كما تناول تطورات ملف سد النهضة والأمن المائي المصري، باعتبارهما قضية مرتبطة باستقرار وأمن مصر على المدى الطويل، فضلًا عن الإشارة إلى دور الدبلوماسية المصرية في دعم الاقتصاد وجذب الاستثمارات، وملف الهجرة باعتباره قضية متعددة الأبعاد سياسية واقتصادية وإنسانية، إلى جانب متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان.

## مصر تتعامل مع تحديات وجودية وتعزز دور الدبلوماسية
أكد وزير الخارجية أن مصر احتفلت بمرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية المصرية، في دلالة على تاريخ طويل من الحضور الدبلوماسي والقدرة على الدفاع عن مصالح الدولة وبناء علاقات مؤثرة مع مختلف دول العالم. وفي ضوء التحولات المتسارعة، شدد على أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف مؤسسات الدولة وتعزيز العمل الدبلوماسي للتعامل مع القضايا المرتبطة مباشرة بالأمن القومي والمصالح الحيوية.

كما أوضح أن وزارة الخارجية تضع على رأس أولوياتها البعد التنموي للدبلوماسية، من خلال توسيع مسارات التعاون الدولي، وتعزيز فرص جذب الاستثمارات، وفتح مجالات جديدة تساعد على دعم الاقتصاد المصري وتحقيق مصالحه على المستويين الإقليمي والدولي.

## ملف الهجرة: رؤية شاملة تراعي المصالح والتنمية
وأشار عبد العاطي إلى أن ملف الهجرة يحظى بأهمية شديدة بالنسبة لمصر، لما يمثله من أبعاد سياسية واقتصادية وإنسانية. واعتبر أن التعامل مع هذا الملف يتطلب مقاربة شاملة تجمع بين إدارة التحديات وحماية المصلحة الوطنية، وربط مسارات التعاون مع شركاء دوليين بهدف دعم التنمية وتحسين ترتيبات التعامل مع ظواهر الهجرة غير النظامية.

## متابعة تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان
وفيما يخص ملف حقوق الإنسان، أكد أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يتابع تنفيذ استحقاقات الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وأن الدولة مستمرة في تطوير منظومة العدالة عبر أطر تشريعية ومؤسسية. وجرى التأكيد على أن قانون الإجراءات الجنائية الجديد تضمّن سقفًا زمنيًا لمدة الحبس الاحتياطي، بما يعزز ضمانات حقوق المتهمين ويعكس توجهًا نحو مواءمة أداء العدالة مع مبادئ حقوق الإنسان.

كما شدد الوزير على أن تنفيذ الاستراتيجية ليس مسارًا مؤقتًا، بل عملية مستمرة تستهدف ترسيخ العدالة والمساواة، وتعزيز الحقوق والحريات، مع مواصلة تطوير الأطر التشريعية والمؤسسية ذات الصلة.

## غزة: رفض تهجير الفلسطينيين ورفض استمرار مخططات تغيير الواقع
تطرقت تصريحات عبد العاطي إلى الوضع في قطاع غزة، حيث شدد على أن إسرائيل ترفض المضي قدمًا في خطة السلام، وأن استمرار هذا الموقف يزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية والميدانية. وأكد أن الجانب الإسرائيلي يسعى لتنفيذ مخطط للتهجير، بينما أكدت مصر رفضها القاطع لأي محاولة تستهدف نقل الفلسطينيين من أراضيهم.

وجاء التأكيد بأن مصر لن تسمح بذلك، وأن الحفاظ على حقوق الشعب الفلسطيني وثوابته يمثل أولوية في الموقف المصري. كما أشار الوزير إلى أن المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتعلقة بقطاع غزة لم تُنفذ بالكامل، وأن الجهود المشتركة بين مصر وقطر وتركيا هدفت إلى إقناع حركة حماس بتسليم السلاح إلى اللجنة الوطنية الفلسطينية في إطار دعم تثبيت التهدئة وتهيئة الأجواء لتنفيذ خطة سلام أوسع.

وفي قراءة لمآلات المسار الأمريكي، أوضح وزير الخارجية أن مصر تثق في قدرة الرئيس ترامب على فرض وتنفيذ خطته بما يساهم في خفض التصعيد وفتح طريق نحو تسوية سياسية شاملة. لكنه حذر في الوقت ذاته من خطورة الأوضاع في غزة والضفة الغربية، نتيجة استمرار التوتر وتدهور الظروف الإنسانية، بما يستدعي تحركًا عاجلًا لمنع تفاقم الأزمة.

## التصعيد الأمريكي-الإيراني: لا بد من مسارات سياسية ترتكز على ترتيبات أمنية مستدامة
في محور إقليمي آخر، أكد عبد العاطي أن التصعيد الأمريكي الإيراني يلقي بظلاله على مختلف دول المنطقة، محذرًا من تبعات استمرار المواجهات واتساع نطاقها. وشدد على أن التجارب السابقة أثبتت أن الحلول العسكرية لا تؤدي إلى استقرار حقيقي، وأن معالجة الأزمات الإقليمية تحتاج إلى المسارات السياسية والدبلوماسية.

ولذلك أشارت تصريحات الوزير إلى أهمية إعادة تفعيل مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية باعتبارها خطوة قد تساهم في خفض حدة التوتر وفتح المجال أمام الحوار. كما شدد على ضرورة تكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع اتساع دائرة الصراع.

وأكد أن التوصل إلى ترتيبات أمنية مستدامة يجب أن تشمل جميع دول المنطقة، لأن أمن المنطقة لا يتحقق عبر استبعاد أي طرف من الأطراف المعنية، بل عبر مقاربة متوازنة تراعي مصالح الجميع وتؤسس لآليات منع التصعيد.

## رفض الاعتداءات على دول الخليج والدفاع عن سيادتها
أكد عبد العاطي أن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج غير مبررة، وأن مصر ترفض أي أعمال تمس أمن واستقرار الدول العربية أو تهدد سيادتها. كما ربط ذلك بضرورة الحفاظ على استقرار الإقليم كشرط رئيسي لسلامة المنطقة اقتصاديًا وسياسيًا.

## أمن السعودية من أمن مصر ورفض تقسيم اليمن وتفكيك الصومال
في إطار العلاقات الإقليمية، أكد الوزير أن الرئيس السيسي والأمير محمد بن سلمان اتفقا على استمرار التشاور والتنسيق بين مصر والمملكة العربية السعودية بشأن مختلف القضايا والتطورات الإقليمية. وأكد أن أمن السعودية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، وأن العلاقات بين البلدين تقوم على عمق تاريخي واستراتيجي.

أما بخصوص اليمن، فشددت التصريحات على أن مصر ترفض أي نزاعات أو محاولات تستهدف تقسيم اليمن، وتؤكد ضرورة الحفاظ على وحدة الدولة اليمنية وسلامة أراضيها ومؤسساتها الوطنية. وبالنسبة للصومال، أكدت مصر رفضها لأي خطوات تستهدف تفكيك الدولة الصومالية أو المساس بوحدتها، معتبرة أن انفصال “أرض الصومال” أمر لا يمكن القبول به.

## سد النهضة والأمن المائي: الاعتراف بحق التنمية مع ضمان حق مصر في الوجود
على صعيد ملف سد النهضة، أوضح وزير الخارجية أن مصر تعترف بحق إثيوبيا في التنمية، لكنها تتمسك في الوقت ذاته بحق مصر في الوجود والحفاظ على أمنها المائي ومصالحها الحيوية. واعتبر أن بعض السياسات الإثيوبية تجاوزت حدود الحق في التنمية، وأن ممارسة هذا الحق يجب ألا تأتي على حساب حقوق دول أخرى أو على حساب استقرارها.

وأشار الوزير إلى ضرورة الوصول إلى تفاهمات تراعي مصالح جميع الأطراف، وتضمن عدم الإضرار بحقوق دولتي المصب، ضمن إطار من التعاون والالتزام بالقواعد والمبادئ المنظمة لاستخدام الموارد المائية المشتركة.

ولفت إلى أن الجانب الإثيوبي رفض عروضًا مقدمة من جيبوتي والصومال لاستخدام موانئهما لأغراض تجارية، معتبرًا أن هذه التطورات تعكس استمرار البحث عن ترتيبات خاصة للوصول إلى البحر، رغم وجود بدائل إقليمية يمكن أن تحقق أغراضًا تجارية دون الإضرار بتوازنات المنطقة المائية.

## خلاصة: استقرار الإقليم يبدأ من احترام السيادة ومنع الخطوات الأحادية
تشير مجمل التصريحات إلى أن التحرك المصري يهدف إلى احتواء الأزمات عبر الأدوات السياسية والدبلوماسية، مع رفض أي تغيير في خرائط الدول أو المساس بسيادتها أو استهداف حقوق شعوبها. وفي الوقت ذاته، تؤكد مصر على دعم التعاون والتنمية في المنطقة، لكن مع التشديد على احترام سيادة الدول وعدم اتخاذ خطوات أحادية يمكن أن تهدد الاستقرار الإقليمي.

وبين غزة وساحات التوتر الإقليمي، وبين ملف الهجرة وحقوق الإنسان والأمن المائي، تواصل الدبلوماسية المصرية تقديم رؤية تقوم على “منع الانفجار” عبر الحوار والترتيبات، وعلى “حماية الثوابت” عبر موقف واضح من رفض التهجير وتقسيم الدول وصون مقدرات المنطقة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *