قال عبد الغني العيادي، المستشار السابق بالبرلمان الأوروبي، إن تداعيات هجمات 11 سبتمبر لم تقتصر على إسقاط برجي مركز التجارة العالمي في الولايات المتحدة، بل امتدت إلى زعزعة مشروع حضاري وسياسي كان يجري العمل على تأسيس ملامحه منذ عقود عقب نهاية الحرب العالمية الثانية. وأوضح العيادي، في مداخلة على قناة «القاهرة الإخبارية» مع الإعلامية رغدة أبو ليلة، أن العالم شهد قطيعتين واضحتين: مرحلة «ما قبل 11 سبتمبر» ومرحلة «ما بعد 11 سبتمبر». ففي المرحلة السابقة، كانت هناك نقاشات ومبادرات على نطاق واسع داخل المنتديات الدولية والأحزاب السياسية، ركزت على ترسيخ كرامة الإنسان، وضمان حريته، وتعزيز الديمقراطية، وحماية الحياة الخاصة، وتطوير منظومة الحقوق والحريات.
وأضاف أن هذه المبادئ تعرضت لتراجع كبير بعد الهجمات، مع صعود «الخوف» بوصفه محرّكًا رئيسيًا للسياسات والممارسات الدولية. واعتبر أن ما حدث لم يكن مجرد تحوّل أمني، بل يمثل «ردة» على المشروع السياسي والحضاري الذي تشكّل تدريجيًا خلال سنوات طويلة. فحين تتحول مشاعر الخوف إلى أداة للحكم، تصبح الاستثناءات أسهل في التبرير، وتُفتح الأبواب أمام ممارسات تضيق على الحقوق بدلًا من صونها.
وأوضح العيادي أن من أبرز النتائج التي صاحبت هذا التحول تزايد انتهاكات الخصوصية، سواء عبر توسيع نطاق المراقبة أو استخدام تقنيات واستراتيجيات أمنية تُقلّص من قدرة الأفراد على معرفة ما يجري بشأن بياناتهم. كما أشار إلى تداول المعلومات المرتبطة بالحياة الخاصة واستخدامها في سياقات لا تضمن دائمًا حدودها القانونية أو ضمانات المساءلة. وإلى جانب ذلك، لفت إلى تقييد حرية التنقل، وتكريس سياسات تقوم على الشك في الآخر بدلًا من التعامل على أساس البراءة والقرائن.
ولتعميق الصورة، يمكن القول إن هذه التحولات ارتبطت بمنطق تشديد الإجراءات تحت عنوان محاربة الإرهاب، وهو ما انعكس في تشريعات وإجراءات إدارية وأمنية في عدد من الدول، وفي توسيع الصلاحيات الممنوحة للجهات التنفيذية، مع الحد من قدرة الأفراد على الطعن أو الحصول على ضمانات فعالة. ومع مرور الوقت، لم يعد النقاش يقتصر على الجانب الأمني، بل امتد إلى سؤال أكبر: كيف يمكن تحقيق التوازن بين حماية المجتمع وصون الحقوق والحريات؟
وأشار العيادي إلى أن الأخطر ـ بحسب تقديره ـ ليس فقط التضييق على الحقوق، بل تراجع فاعلية القانون الدولي والشرعية الدولية والمؤسسات الدولية، لافتًا إلى أنها في بعض الحالات تحولت إلى شعارات تفتقر إلى الضمانات وأدوات التنفيذ. فحين تضعف المعايير الدولية أو تُجرّد من أدوات التطبيق، تصبح معالجة الأزمات أكثر عرضة للاختلال، وتغيب الحدود التي تحمي الأفراد من الانتهاكات.
وختم العيادي بأن استعادة المسار يتطلب إعادة الاعتبار للمنظومة الحقوقية التي قامت عليها مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتثبيت قواعد القانون الدولي، وضمان أن الأمن لا يتحول إلى ذريعة لإعادة إنتاج أنماط الاستبداد أو تقويض الحريات الأساسية، لأن الشعوب لا تنهض بالتهديد المستمر، بل بالتزام واضح بحقوق الإنسان وسيادة القانون.

التعليقات