قال الدكتور وليد رشاد، أستاذ علم الاجتماع، إن الفارق بين الأجيال لا يقتصر على العمر أو طريقة الاستخدام، بل يمتد إلى طريقة التفكير والتربية، وخصوصًا في مفهوم الخصوصية وحدودها. وأوضح أن الجيل الناشئ تربى في بيئة رقمية وإعلامية مختلفة تمامًا عن الأجيال السابقة، لذلك أصبح مفهوم “الخصوصية” نفسه يُفهم ويُستخدم بشكل مختلف؛ حيث شاع استعمال مصطلحات مثل “برايفسي” بدلًا من ألفاظ كانت مرتبطة تاريخيًا بالستر والحفاظ على الخصوصيات.
وأضاف خلال حديثه في برنامج “صباحك مصري” على قناة mbc أن وسائل التواصل الاجتماعي غيّرت قواعد اللعبة: فالتطبيقات والمحتوى المتداول جعلت الكثير من المعلومات متاحًا وسهل المشاركة، وهو ما خلق لدى بعض المستخدمين شعورًا بأن مشاركة تفاصيل الحياة أمر طبيعي ومُتاح للجميع. ومع ذلك، شدد على نقطة جوهرية وهي أن التنازل عن الخصوصية ليس أمرًا قهريًا دائمًا، بل قد يتم بإرادة الشخص نفسه؛ فحين ينشر الفرد صورته في مكان بعينه أو يعرض تفاصيل الطعام أو يشارك لقطات من يومه، فهو يتنازل طواعية عن جزء من خصوصيته مقابل ما قد يجلبه النشر من تفاعل.
وبيّن رشاد أن هذا التنازل غالبًا يكون مقابل “مكاسب اجتماعية” رقمية تتمثل في المشاهدات والمتابعات والإعجابات والتعليقات. ولفت إلى أن بعض الأشخاص يربطون قيمة حضورهم على السوشيال ميديا بحجم التفاعل الذي يحصلون عليه، فيحاولون جذب الجمهور بأي وسيلة؛ مما قد يدفعهم إلى نشر محتوى أكثر جرأة أو تفصيلًا مما ينبغي. وفي سياق متصل، أشار إلى أن هناك من ينشر تفاصيل حياته بهدف التباهي أو التفاخر أو حتى المنافسة، حيث يظهر نوع من التقليد؛ فحين يرى الشخص آخر يزور مكانًا أو يشارك تجربة بعينها، قد يشعر بدافع مشابه فيقوم بتكرار الفكرة ونشر صورة أو فيديو مماثل.
ولإثراء الصورة الاجتماعية، أوضح أن بعض المستخدمين باتوا يعتادون تصوير يومياتهم بشكل مستمر ليس فقط من أجل “المشاهدة”، بل لأن النشر تحول لديهم إلى نمط حياة. وهنا تكمن المشكلة بالنسبة له؛ إذ أكد أن غياب حدود واضحة ووجود رقابة مجتمعية أو توجيه من عالم الكبار يفسر ضرورة مراعاة الآخرين. فليست كل التفاصيل مناسبة للظهور في المجال العام، كما أن هناك أمورًا تظل خاصة بطبيعتها ولا يجوز تحويلها إلى محتوى يمكن استغلاله أو إساءة تفسيره.
وشدد أستاذ علم الاجتماع على أن كثيرًا من الشباب قد لا يميز بين الخاص والعام، ولا يفهم الفواصل الدقيقة التي تحمي الفرد وعلاقته بالآخرين. ونتيجة ذلك، قد تحدث ممارسات تؤدي إلى تشويه الحقيقة؛ فبعض الأشخاص قد يعتمدون على تزييف الواقع عبر الصور. مثال ذلك أن يأخذ الشخص صورة في مكان ما ثم يغادر بسرعة أو لا يكون موجودًا فعلًا خلال التوقيت الذي يوحي به المحتوى، أو قد يستخدم لقطات قديمة بشكل يجعل المتابع يظن أنها تعكس لحظة معاصرة. وبهذا تتحول التجربة من حدث حقيقي إلى “قصة بصرية” قد تضلل الجمهور.
وأشار رشاد إلى أن هذه الإشكالات الاجتماعية لا ترتبط فقط بالعادات الفردية، بل تتغذى من طبيعة المنصات نفسها: فالمحتوى السريع والمثير يُكافَأ عادة بالترند والتفاعل، ما يضغط على المستخدمين لتقديم نسخة “مُنسقة” من حياتهم بدلًا من عرضها بوعي واعتبار لحدود الخصوصية. كما أن تكرار النشر قد يؤدي إلى تراكم معلومات شخصية أو جغرافية أو عادات يومية، وهو ما قد يعرض صاحب الحساب لمخاطر غير مرئية.
وخلاصة حديثه أن الفهم الصحيح لخصوصية الفرد اليوم يحتاج إلى إعادة تعريف متوازنة: مشاركة ما يمكن مشاركته دون تنازل شامل، واحترام حدود الآخرين، وتجنب تضليل المتابعين. فالمشاهدة قد تمنح تفاعلًا، لكن الحفاظ على الخصوصية يحمي الإنسان من آثار طويلة المدى—سواء نفسيًا أو اجتماعيًا أو حتى عمليًا.

التعليقات