التخطي إلى المحتوى

تتناول الدكتورة نيفين مختار، الداعية الإسلامية، في حديثها مفهوم الصداقة الحقيقية كما يرسّخه الإسلام، مع توضيح الفارق بين الصديق الذي يُعتدّ به وبين “الصاحب” الذي قد تجمعه الظروف أو المصالح أو المناسبات. وترتكز الفكرة الأساسية على أن الصداقة في جوهرها عبادة أخلاقية ومعنى إنساني يقوم على السند والستر والوفاء، لا على الاستهلاك العاطفي أو المنفعة المؤقتة.

وتؤكد مختار أن الصديق الحقيقي هو من يكون لصديقه “ظهرًا” و“حماية”، أي يسانده وقت الضيق والشدّة، ويحفظ أسراره، ويحافظ على الأمانة بينهما. كما تشدّد على أن الخيانة ليست مجرد فعل خاطئ، بل من أصعب التجارب التي قد تؤثر نفسيًا على الإنسان، لأنها تهدم الثقة التي بُنيت على مدار الزمن.

وتستشهد الدكتورة بآيات من القرآن الكريم تشير إلى قيمة الصديق الحميم، من خلال قول الله تعالى: «فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ». وتوضح أن معنى “الصديق الحميم” يرتبط بالقرب الحقيقي لا بالشكليّات؛ فهو شخص تكون صحبته ذات معنى وقت الأزمات، وليس مجرد علاقة عابرة تظهر عند المناسبات وتختفي عند الحاجة.

وتقدّم مختار توصيفًا عمليًا لمعنى الصداقة الصادقة، موضحة أن الصديق هو الذي يشعر معه الشخص بأنه غير وحيد، ويمكنه اللجوء إليه عند حدوث موقف مؤلم أو ضغط نفسي. وتؤكد أن الشعور بالأمان مع الصديق علامة مهمّة على صدق العلاقة؛ إذ لا تكون الصداقة الحقيقية في الكلام الجميل فقط، بل في الفعل الذي يطمئن القلب.

ومن النقاط التي تبرزها أيضًا فكرة أن البعد عن الشخص المؤذي لا يُعد خيانة، بل قد يكون حفاظًا على النفس والكرامة وحماية للقلب من الأذى المتكرر. فالصديق الحقيقي لا يقوم على السلوكيات الجارحة أو العلاقات التي تُغذّي التوتر والضرر، بل يقوم على الرحمة والعدل والصدق.

ولتعزيز معنى “الاختيار” في الصداقة، تشير مختار إلى أهمية الانتباه للمؤشرات الدالة على الصديق الصالح: أن يحبّك بصدق من قلبه، وأن يظهر فيه الوفاء حتى في غياب الظروف، وأن يشعرك بمحبة حقيقية لا تكلّف فيها. وتدعو إلى عدم التهاون في ضياع هذه العلاقة؛ فإذا وجد الإنسان الصديق الذي يمنحه الأمان والحب، فعليه أن يحافظ عليه ويقدّر قيمته.

كما يمكن إضافة ضوابط تساعد على التمييز بين الصديق الحقيقي وغيره، مثل: هل يحفظ الصديق سرّك؟ هل يحترم حدودك؟ هل ينصحك بما ينفع دون تجريح؟ هل يقف بجانبك عند الحاجة؟ وهل تكون العلاقة قائمة على الإخلاص لا على المصلحة؟ بهذه المعايير تتضح الصورة وتستقر الثقة.

في النهاية، تعرّف مختار الصداقة الحقيقية بأنها علاقة تقوم على الصدق والأمانة والسند، وأن الصديق الذي يظل حاضرًا في وقت الحاجة هو الذي تُبنى حوله الثقة وتُثمر حوله المحبة، بينما تُحمى النفس بالبعد عن المؤذِي دون ظلم أو قسوة، لأن العدل والرحمة أساسان في التعامل الإنساني داخل إطار الإسلام.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *