التخطي إلى المحتوى

يشدد خبراء الإعلام على أن بناء **المناعة المعرفية** و**المناعة الرقمية** لدى الأجيال الجديدة—خصوصًا جيل “زد” وجيل “ألفا”—لم يعد خيارًا تربويًا فحسب، بل بات ضرورة وطنية تستدعي إطلاق **برنامج قومي للتدريب والتعليم**. فهذه الفئات هي الأكثر التصاقًا بمنصات التواصل والتقنيات الرقمية، وبالأكثر تعرضًا لتأثيرات المحتوى المقترح عبر الخوارزميات، ما يجعل تمكينهم من التفكير النقدي وحسن إدارة الاستخدام مسؤولية مجتمعية مشتركة.

ويؤكد مدير تحرير صحيفة الأهرام أن منصات التواصل لا تعمل بمعزل عن المستخدم؛ إذ تعتمد الخوارزميات على **تحليل سلوك المستخدم** وجمع بياناته، لتقديم محتوى قد يرفع فرص انتشار أفكار بعينها أو يدعم توجهات تتعارض—أحيانًا—مع قيم المجتمع. وفي هذا السياق، قد تتم إعادة تشكيل القيم والرموز والمعاني المرتبطة بالهوية والوعي الجمعي والذاكرة الجماعية، ليس عبر تغيير مباشر لها، بل عبر **إعادة تقديمها ضمن سياقات رقمية مختلفة** تجعل فهمها لدى الشباب أكثر تقلبًا تبعًا لما يتعرضون له من مواد متجددة.

كما يوضح الخبراء أن السياق الرقمي الجديد مع مرور الوقت قد يؤثر في طريقة إدراك جيل “زد” و“ألفا” للقيم والرموز، لأن هذه القيم والمعاني والرموز والخبرات الاجتماعية والتاريخية ليست بالضرورة مترسخة بقوة في الضمير الجمعي لديهم مقارنة بالأجيال الأقدم. لذلك يصبح الهدف ليس فقط “نقل المعلومة”، بل **تأسيس قدرة مستمرة على التمييز والتحقق** وممارسة الاستيعاب الواعي للمحتوى.

ومن هنا تبرز أهمية برامج التدريب المستمرة التي لا تتوقف عند معرفة الصواب والخطأ، بل تمتد إلى تدريب الأفراد على مقاومة تأثيرات التضليل، عبر مهارات عملية مثل التحقق من مصدر الخبر، ومقارنة المعلومات بمصادر موثوقة، وفهم آليات الدعاية والتلاعب العاطفي، والتعرف على أنماط الأخبار الزائفة أو المحتوى المحرّف. ويعد تعزيز **الضمير** و**ترسيخ الانتماء للمجتمع والبلد** جزءًا أساسيًا من هذه المناعة، لأن الدفاع عن الهوية لا يكتمل دون شعور بالمسؤولية تجاه الذات والآخرين، ومن دون فهم عميق لقيمة المشاركة الاجتماعية الواعية.

ولزيادة فاعلية البرنامج القومي، يمكن تضمين محاور تعليمية وتدريبية متنوعة، مثل:
– **محو الأمية الرقمية**: فهم المصطلحات الأساسية، وإدارة الخصوصية، والتمييز بين الإعلانات والمحتوى.
– **التفكير النقدي**: طرح أسئلة عند استهلاك المحتوى، وتحليل منطق الرسالة وأهدافها.
– **فهم الخوارزميات**: كيف تُصمَّم “صفحات المقترح” وما الذي تدفعه لتفضيلات المستخدم.
– **تعلم مهارات التحقق**: استخدام أدوات وأدلة التحقق، ومراجعة التواريخ والمصادر.
– **تنمية الضمير الاجتماعي**: ربط السلوك الرقمي بالقيم الأخلاقية واحترام المجتمع.

إن تحويل هذه المبادئ إلى برنامج قومي منظم—يتضمن مواد تدريبية للمدارس والجامعات وورش عمل للأسرة والمجتمع—يمكن أن يوفر للأجيال الجديدة أدوات عملية للتعامل مع عالم رقمي سريع التغير، ويحدّ من قابلية التأثر السلبي بالمحتوى الموجه أو الأفكار المخالفة للقيم المجتمعية. وبذلك تتحقق المناعة المعرفية والرقمية بوصفها قدرة على الفهم العميق، والتمييز المستمر، وحماية الهوية والوعي الجمعي في زمن المنصات والخوارزميات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *