يروي الباحث السياسي حسام الغمري واقعة تعود إلى فبراير 2022، تتعلق بتداول مزاعم حول وجود عقد مرتبط بقناة السويس. ويؤكد الغمري أن القصة لم تبقَ عند حدود أول نشر، بل تمّت إعادة إخراجها وإعادة ترويجها عبر منصات متعددة في توقيتات مختلفة، بما سمح بزيادة مدى انتشارها وإعطائها انطباعًا أقرب إلى المعلومة الموثّقة لدى بعض المتلقين.
وخلال حديثه مع الإعلامي حمدي رزق في برنامج «نظرة» المذاع على قناة «صدى البلد»، يوضح الغمري أن الشائعات لا تعمل فقط عبر لحظة النشر الأولى، بل عبر عملية أشبه بالتكرار المقصود: نقل محتوى مماثل من منصة إلى أخرى، وظهور المعلومة نفسها بصياغات متنوعة أو على لسان أكثر من شخصية. ووفقًا له، فإن هذا الأسلوب يخلق لدى الجمهور شعورًا بأن تكرار الرواية وتعدد مصادرها يعني تلقائيًا أنها صحيحة أو مبنية على وثائق.
كما يشير الباحث السياسي إلى أن جزءًا من آلية التضليل قد يشتمل على تبادل أو إعادة تداول رسائل بين أطراف مختلفة. ويذكر الغمري مثالًا يتمثل في نشر معلومات مضللة من جانب عناصر مرتبطة بجماعة الإخوان، ثم إعادة نشر أو تداول بعض ما يخص تلك الرواية لاحقًا عبر جهات أخرى، بما في ذلك شخصية إسرائيلية تُذكر في السياق. ويُستفاد من هذا الانتقال بين أكثر من طرف—بحسب الغمري—في توسيع دائرة الوصول إلى المحتوى، ورفع احتمالات تداوله من جمهور جديد لا يملك خلفية عن ملابسات النسخة الأصلية.
ويرى الغمري أن هذه المنظومة لا تقتصر على ادعاء واحد فقط. ففي الواقعة نفسها، جرى—إلى جانب مزاعم «عقد قناة السويس»—تداول روايات أخرى تتعلق بأموال ومخططات يُفترض أنها تستهدف مؤسسات الدولة. ويؤكد أن تكرار الرسالة ذاتها أو إعادة إنتاجها عبر أكثر من منصة وشخصيات متعددة يؤدي إلى تعميق حالة الشك لدى الجمهور، خصوصًا عندما تأتي الرسائل في صورة «قصص» أو «ادعاءات» دون تحقق مستقل، لكنها تتكرر بما يجعلها تبدو مترابطة وراسخة.
ولتعزيز الفهم، يلفت الباحث السياسي إلى أن تقييم مثل هذه الوقائع يحتاج عادةً إلى مقارنة مصادر النشر الأصلية، والتأكد من وجود مستندات أو أدلة قابلة للتحقق، وملاحظة الفروقات بين الإصدارات المتعاقبة للمعلومة. فبدون هذا التدقيق، قد يتحول الادعاء—مهما كان ضعيفًا في بدايته—إلى حالة رأي عام بسبب تكراره فقط، لا بسبب صحته.
وتخلص قراءة الغمري إلى أن إعادة تدوير المعلومات المضللة ليست مجرد ترويج لمرة واحدة، بل هي استراتيجية لإنتاج أثر ممتد: نشر أولي، ثم إعادة تداول، ثم توسعة نطاق الانتشار، وصولًا إلى خلق انطباع عام بأن الرواية تمثل حقيقة ثابتة، وهو ما يجعل التصدي لمثل هذه المحتويات قائمًا بالأساس على التحقق لا على الانفعال أو المشاركة السريعة.

التعليقات