التخطي إلى المحتوى

أكد الباحث السياسي حسام الغمري أن استهداف المجتمعات في الوقت الراهن لا يقتصر على الحرب النفسية التقليدية ذات الطابع المؤقت، بل يتطور إلى ما وصفه بـ«العمليات النفسية المستدامة»، وهي جهود موجهة تستهدف عقول الشعوب ووعيها بشكل متواصل دون سقف زمني محدد. وبيّن خلال حديثه في برنامج «نظرة» عبر فضائية «صدى البلد» أن الباحث ياسر وهبة أشار في دراسته إلى الفارق بين المفهومين؛ فالحرب النفسية تكون غالبًا محددة المدة، بينما تستهدف العمليات النفسية التأثير المستمر على وطن وشعب وأمة بأكملها عبر تغيير القناعات وبناء الشكوك تدريجيًا.

وأوضح الغمري أن من أبرز أدوات هذه العمليات تكرار الرسائل وتداول المعلومات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي، بما يساهم في ترسيخ فكرة لدى الجمهور من خلال الإلحاح المتكرر بدلًا من الاعتماد على دليل أو تحقق مهني. ومع تكرار الرسالة وإعادة صياغتها وتناقلها بصيغ متعددة، تصبح القدرة على تصديقها أعلى لدى شريحة من المتلقين، خصوصًا في ظل السرعة التي تفرضها المنصات وقلة الوقت المتاح للتحقق.

وأشار كذلك إلى «الميكانيزمات» التي تُستخدم ضمن هذا النمط، وركز على آلية وصفها بـ«غسل الأخبار». وتتمثل الفكرة في نشر خبر أو صورة مفبركة أولًا عبر منصة أو صفحة مرتبطة بالجماعة، ثم إعادة تداولها لاحقًا من خلال حسابات أخرى أو شخصيات إعلامية، حتى تكتسب المادة المفبركة قدرًا من المصداقية عبر تعدد المصادر الظاهرية. وبمرور الوقت، يُعاد تقديم المحتوى على أنه «خبر مستقل» أو «معلومة موثوقة» طالما أنها انتقلت من حساب إلى آخر ومن قناة إلى أخرى، لتجد طريقها في النهاية إلى منصات أو مواقع قد تتعامل معها بوصفها مادة متداولة.

ولفت الغمري إلى أن هذا الأسلوب لا يقتصر على تضليل الجمهور بمعلومة خاطئة، بل يمتد إلى هندسة الانطباعات. فمن خلال نقل الشائعة أو المحتوى المفبرك عبر قنوات متعددة، تُبنى «قصة» تبدو مترابطة في نظر المتابعين، ما يجعل تفكيكها أكثر صعوبة لاحقًا. كما تبرز محاولة صناعة إحساس بوجود توتر أو تصدعات داخل مؤسسات الدولة، عبر نشر مزاعم عن صراعات داخل أجهزة الدولة أو تسريبات غير موثقة، بهدف زعزعة الثقة وإثارة البلبلة لدى المواطنين.

وأضاف أن من صور التضليل أيضًا تداول وثائق أو معلومات وُصفت بالمفبركة، ومنها الحديث عن عقد مزيف يتعلق بقناة السويس. ولفت إلى أن الترويج لمثل هذه المواد عادة ما يتم عبر حملات منظمة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تُدفع المحتويات ضمن أوقات معينة، وتُستثمر طبيعة خوارزميات المنصات التي تعزز المحتوى الأكثر تفاعلًا، مما يرفع انتشاره حتى لو كان مصدره غير موثوق.

وأشار إلى جانب بالغ الحساسية في هذه الممارسات، وهو محاولة منح بعض الشخصيات الأجنبية المتداخلة في الشأن المصري شرعية أو مصداقية عبر تقديمها للجمهور باعتبارها مصادر «تكشف معلومات غير معروفة». وتؤدي هذه الخطوة إلى تفعيل عاملين: الأول هو التأثير العاطفي من فكرة «وجود معلومات مسكوت عنها»، والثاني هو منح ثقل إضافي للادعاء عبر الاستناد إلى أسماء أو أدوار تبدو خارج السياق المحلي.

وبين الغمري أن خطورة هذه الأساليب لا تقف عند حد نشر معلومات كاذبة، بل تتجاوز ذلك إلى بناء بيئة إعلامية مضطربة تجعل المواطن مترددًا في التمييز بين الخبر والتحريض، وتُضعف قدرة المجتمع على اتخاذ موقف مبني على تحقق. وفي المقابل، فإن مواجهة هذه العمليات تستلزم تعزيز آليات التحقق من المصادر، ونشر ثقافة التدقيق، وتطوير أدوات رصد التضليل داخل المنصات، فضلًا عن الاستجابة السريعة عند ظهور حملات تضليلية متسلسلة بدل الاكتفاء بالرد المتقطع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *