قال الدكتور حسن رجب، أستاذ الدراسات الصينية، إن مصر تحتل مكانة استثنائية في الذاكرة المجتمعية للشعب الصيني، مشيرًا إلى وجود حالة واسعة من الحب والتقدير والاحترام لمصر وحضارتها بين المواطنين الصينيين على اختلاف فئاتهم.
وأضاف رجب، خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «90 دقيقة» على قناة «المحور»، أن حلم الكثير من الصينيين يتلخص في زيارة مصر عن قرب، ورؤية نهر النيل والأهرامات، مؤكدًا أن هذا الاهتمام لا يقتصر على فئة محددة، بل يمتد من المواطنين العاديين إلى كبار القادة والمسؤولين في الصين.
ارتباط حضاري يتجاوز الحدود السياسية
وأوضح الدكتور حسن رجب أن حجم الإقبال الصيني على مشاهدة الآثار المصرية يعكس عمق العلاقة الحضارية بين الشعبين، مستشهدًا بما حدث خلال العام الماضي عندما استضافت الصين معرضًا لقطع أثرية مصرية استمر ستة أشهر. واعتبر أن مجرد هذا النوع من الفعاليات الثقافية على امتداد فترة طويلة دليل على أن الاهتمام المصري داخل الصين ليس عابرًا، بل له امتداد اجتماعي وثقافي.
طوابير طويلة أمام المتاحف… ومشاهدات قياسية
وتحدث رجب عن ظاهرة لافتة تمثلت في طوابير طويلة اصطف فيها الزوار الصينيون أمام المتحف لمشاهدة القطع الأثرية المصرية، لافتًا إلى أن هذه الطوابير وصلت في بعض الأوقات إلى مسافات تقارب كيلومترين. ووفقًا لوصفه، فإن الإقبال الضخم لم يكن متعلقًا بفضول عابر، بل برغبة حقيقية في التعرف على تاريخ مصر العريق وفهم رموز حضارتها.
كما أشار إلى أن انتهاء مدة المعرض الأصلية لم يوقف الاهتمام، حيث جرى نقل المعرض إلى مدن صينية أخرى ليستمر عرض القطع الأثرية، وتتاح الفرصة لجمهور أوسع في مناطق مختلفة للتعرف إلى الحضارة المصرية.
ثروة ثقافية تدعم السياحة والتبادل الشعبي
وأكد حسن رجب أن هذه الاستجابة الكبيرة تعكس «رصيدًا حضاريًا وثقافيًا وشعبيًا» يتجاوز إطار العلاقات الرسمية والسياسية والاقتصادية. ويرى أن ما يترسخ لدى الجمهور الصيني من حب وتقدير لمصر يمكن أن يتحول إلى قوة دفع لتعزيز التعاون في مجالات مثل السياحة الثقافية، وتنشيط البرامج المتحفية، وتوسيع أنشطة التبادل الشعبي.
ومن المهم أيضًا ملاحظة أن تزايد الاهتمام بالآثار المصرية يتماشى مع اتجاه عالمي لدى الجمهور نحو السياحة التعليمية والتجارب الثقافية؛ حيث يبحث كثير من الزوار عن قصص تاريخية ومعرفة مباشرة بالمواقع التراثية. وفي هذا السياق، تصبح مصر بمكانة خاصة لدى السائح الصيني، ليس فقط بوصفها وجهة سياحية، بل بوصفها مصدرًا معرفيًا للحضارة القديمة.
مرحلة جديدة من التعاون بين القاهرة وبكين
وشدد رجب على أن التقارب بين الشعبين المصري والصيني—إلى جانب العلاقات الرسمية والاستراتيجية بين القاهرة وبكين—يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون. وترى القراءة المتعمقة للمشهد أن الاستفادة من الإرث الحضاري والثقافي المشترك يمكن أن تدعم مشاريع مشتركة في التعليم والبحث والترجمة، فضلًا عن توسيع أنشطة الفعاليات الثقافية والمعارض المتبادلة.
وبذلك، لا تبدو صورة «المتحف والطوابير» مجرد حدث عابر، بل مؤشرًا على أن حضور مصر في الوعي الصيني يتجدد باستمرار، وأن الأثر الحضاري قادر على صناعة جسور دائمة بين الشعوب وتعميق شراكة تمتد آثارها إلى المستقبل.

التعليقات