مع تصاعد ضغوط الحياة اليومية وتسارع إيقاع العمل والدراسة، بات الحصول على نوم كافٍ وعميق ومستقر تحديًا حقيقيًا لدى كثير من الأشخاص. فأحيانًا يكون السبب السهر لفترات طويلة، أو اضطرابات النوم المتكررة، أو الاعتماد المتزايد على الأجهزة الإلكترونية قبل النوم، ما يؤدي إلى نوم متقطع لا يمنح الجسم فرصة استعادة نشاطه.
ورغم أن البعض قد ينظر إلى النوم كفترة للراحة فقط، تؤكد التحذيرات الطبية أن جودة النوم وعدد ساعات النوم ترتبط ارتباطًا مباشرًا بالصحة العامة، وبخاصة صحة القلب والأوعية الدموية. ويأتي ذلك في وقت يشهد فيه الاهتمام المتزايد بعادات نمط الحياة الصحي اهتمامًا أكبر بالنوم كعنصر أساسي لا يقل أهمية عن التغذية والنشاط البدني.
جمال شعبان: قلة النوم ليست مجرد تعب عابر
حذر الدكتور جمال شعبان، العميد السابق لمعهد القلب القومي، من مخاطر قلة النوم، مؤكدًا ضرورة التعامل مع اضطرابات النوم بجدية وعدم اعتبارها مجرد إحساس مؤقت بالإرهاق. وأشار إلى أنه يواصل الحديث عن هذه المشكلة لما قد تسببه من تأثيرات محتملة على صحة المواطنين، خصوصًا عند استمرارها لفترات طويلة.
وأوضح أن قلة النوم لا ينبغي تجاهلها، لأن تأثيرها لا يقتصر على انخفاض الطاقة أو تشتت الانتباه، بل قد يمتد ليؤثر في أنظمة الجسم المختلفة، ومن ضمنها تنظيم ضغط الدم والهرمونات والقدرة على التعافي العضلي والعصبي.
النوم الكافي ودوره في دعم صحة القلب
يشدد الدكتور جمال شعبان على أن النوم الكافي والمنظم يمنح الجسم فرصًا أفضل للحفاظ على صحته. وتبرز أهمية النوم العميق تحديدًا، لأنه يرتبط بعمليات استعادة حيوية داخل الجسم، بما في ذلك دعم الوظائف المرتبطة بالقلب والأوعية الدموية.
وتشير أبحاث متعددة إلى وجود علاقة بين جودة النوم وصحة القلب، سواء لدى الفئات الشابة أو غيرها، حيث يساهم النوم المنتظم في دعم توازن الجسم وتقليل عوامل الإجهاد التي قد تضر بالأوعية الدموية على المدى الطويل.
ومن هنا تأتي أهمية اعتبار النوم جزءًا من نمط حياة صحي متكامل، يتضمن أيضًا التغذية المتوازنة وممارسة النشاط البدني.
ليس عدد الساعات وحده… بل الجودة أيضًا
لفت جمال شعبان إلى نقطة جوهرية وهي أن عدد ساعات النوم وحده لا يضمن بالضرورة الحصول على الفائدة الصحية المطلوبة. فهناك من يقضي وقتًا طويلًا في السرير لكن نومه يكون سطحيًا أو غير مستقر، ما يقلل من الوقت الذي يستطيع فيه الجسم الدخول في مراحل النوم العميق.
وقد يعاني البعض من النوم المتقطع، أو الاستيقاظ المتكرر طوال الليل، أو الشعور بالتعب رغم قضاء فترة كافية ظاهريًا. وفي هذه الحالات، لا يتحقق الهدف الصحي من النوم كما ينبغي، وقد يشعر الشخص بآثار يومية مثل ضعف التركيز وتراجع الأداء مع استمرار المشكلة.
لماذا قد يزداد الخطر مع النوم المتقطع؟
عندما يكون النوم متقطعًا، يتعطل نمط الجسم المعتاد في مراحل النوم المختلفة، وقد تتأثر آليات تنظيم ضغط الدم وسكر الدم والالتهاب والإجهاد. كما أن تكرار الاستيقاظ قد يمنع الجسم من الحصول على قدر كافٍ من النوم العميق، وهو ما يجعل التعافي أبطأ وأكثر صعوبة.
كما قد يرتبط النوم المتقطع بعوامل متعددة مثل القلق، أو الضوضاء، أو الإضاءة داخل غرفة النوم، أو تناول منبهات في وقت متأخر، أو استخدام الهواتف والأجهزة الإلكترونية قبل النوم بما يرفع مستوى اليقظة ويؤخر الاستغراق في النوم.
تنظيم مواعيد النوم خطوة أساسية
تؤكد التحذيرات الطبية أن الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ يساعد في استعادة الساعة البيولوجية للجسم. فاضطراب نمط النوم بصورة مستمرة قد يجعل الحصول على الراحة الكافية أكثر صعوبة حتى لو حاول الشخص “تعويض” النوم في أيام أخرى.
ومع ضغوط العمل والدراسة والاستخدام الطويل للهاتف ليلًا، يميل كثيرون إلى تأخير النوم تدريجيًا أو تقليل ساعات الراحة، ما يعزز احتمال حدوث نوم متقطع أو غير عميق.
نصائح عملية لتحسين جودة النوم ودعم صحة القلب
بدل انتظار تدهور الحالة، يمكن اتباع خطوات تساعد على نوم أكثر استقرارًا، مثل:
- تحديد وقت ثابت للنوم والاستيقاظ قدر الإمكان حتى في نهاية الأسبوع.
- تجنب الشاشات والهواتف قبل النوم بمدة كافية (يفضل 60 دقيقة) لتقليل التنبيه.
- تقليل الكافيين بعد الظهر، خاصة القهوة والشاي ومشروبات الطاقة.
- تهيئة غرفة النوم: ظلام أكثر، وهدوء مناسب، ودرجة حرارة مريحة.
- الالتزام بروتين مهدئ قبل النوم مثل القراءة الخفيفة أو تمارين استرخاء بسيطة.
- ملاحظة الأعراض المصاحبة مثل الشخير الشديد أو الاختناق أثناء النوم أو النعاس المفرط نهارًا؛ لأنها قد تشير إلى اضطراب يحتاج تقييمًا طبيًا.
إذا استمرت مشكلة النوم المتقطع لفترة طويلة أو أثرت بوضوح في النشاط اليومي وجودة الحياة، فمن المهم مراجعة طبيب مختص لاستبعاد الأسباب المحتملة ووضع خطة مناسبة.
الخلاصة: النوم جزء أساسي من الصحة وليس رفاهية
لا تأتي أهمية النوم بمعزل عن باقي العادات الصحية؛ فهو مع التغذية المتوازنة والنشاط البدني يشكل ركائز نمط الحياة الصحي. ومع استمرار مشكلات النوم لدى شريحة من المواطنين، تبرز الحاجة إلى رفع الوعي بأن قلة النوم—خصوصًا عندما تكون مصحوبة بتقطع—ليست أمرًا طبيعيًا يمكن التعايش معه دون أثر.
الأهم هو التركيز على جودة النوم بقدر التركيز على عدد الساعات، لأن النوم العميق والمستقر هو ما يمنح الجسم فرصة حقيقية للتعافي ويصون صحة القلب والجسم على المدى الطويل.

التعليقات