التخطي إلى المحتوى

توقفت الإعلامية مفيدة شيحة عند مقولة منسوبة إلى الإمام ابن الجوزي، تحمل معنى عميقًا في طريقة تعاملنا مع الآخرين، وهي: «اكتم عن الناس ذهبك، وذهابك، ومذهبك». وتؤكد مفيدة شيحة أن كثيرًا من الحكم القديمة لا تزال قادرة على تفسير دقائق حياتنا اليومية، خصوصًا ما يتعلق بالخصوصية، وإدارة العلاقات، وعدم تحويل كل ما نملكه أو نفكر فيه إلى مادة للنقاش أمام الجميع.

وتوضح مفيدة شيحة أن الإنسان ليس مطالبًا بمشاركة كل تفاصيل حياته مع المحيطين به. فهناك فرق واضح بين أن تعيش حياتك طبيعيًا—بحضور اجتماعي واحترام للناس—وبين أن تجعل كل ما تملكه أو تخطط له أو تمر به قابلًا للمشاهدة والتعليق من طرف الجميع. فالخصخصة هنا لا تعني الانعزال، بل تعني اختيار المساحة المناسبة لكل نوع من المعلومات.

وتشير إلى أن كلمة «ذهبك» لا ينبغي فهمها بمعنى المال فقط، بل تتسع لتشمل كل ما تمثله القيم بالنسبة لك: قوتك، نجاحاتك، نعمك، مهاراتك، فرصك، وحتى الأشخاص الذين يمنحونك دعمًا حقيقيًا. وفي حال تم الإعلان عن النعم والتفاصيل المادية بشكل دائم، قد يتعرض الشخص للمقارنة غير الصحية، أو الحسد، أو التدخلات غير المرغوبة. كما أن بعض الناس قد لا يقصدون سوءًا، لكن تكرار الحديث عن الإنجازات قد يخلق توقعات أكبر من اللازم أو يضعك في دائرة المراجعة المستمرة لما لا تحتاجه.

أما «ذهابك» فترمز—بحسب تفسير مفيدة شيحة—إلى عدم استعجال الحديث عن كل خطوة قبل اكتمالها. فليس كل مشروع أو قرار أو تحول يحتاج إلى إعلان مبكر. أحيانًا تكون الخطة لمرحلة بناء أولية، وأحيانًا تكون الظروف غير مكتملة، وأحيانًا يكون النجاح نتيجة جهود تحتاج وقتًا وهدوءًا. مشاركة التفاصيل قبل تحققها قد يؤدي إلى تشتيت نفسي، أو كسر الزخم، أو تحويل المشروع إلى حديث اجتماعي بدل أن يبقى هدفًا يُنجز.

وتضيف أن «مذهبك» تمثل جانب الأفكار والقناعات والاختيارات الشخصية. فمن حق الإنسان أن يحتفظ بجزء من أفكاره لنفسه، خصوصًا عندما تكون هذه الأفكار حساسة أو ترتبط بخيارات حياتية كبيرة. فاختلاف وجهات النظر—ولو بدأ كنقاش بسيط—قد يتحول أحيانًا إلى جدالات أو توترات لا تخدم أحدًا. لذلك، ليس كل رأي يحتاج إلى أن يُعرض على الجميع، وليس كل نقاش يستحق أن ندخل فيه من الأساس.

وتشدد مفيدة شيحة على أن المقولة لا تدعو إلى الغموض أو قطع العلاقات أو عدم الثقة في الناس. بالعكس، رسالتها هي دعوة للخصوصية والاتزان، وحسن اختيار من نشاركهم تفاصيل حياتنا. فالقرب من الشخص لا يعني بالضرورة القدرة على فهم ظروفه أو تقدير ما يمر به أو احترام خصوصياته دون تدخل.

ومن أجل تطبيق المعنى عمليًا، يمكن تحويل الحكمة إلى قواعد بسيطة: شارك ما هو ضروري فقط، ووزن المعلومات التي تمنحك قوة أو تغيّر مسارك قبل أن تجعلها مادة للآخرين. ضع حدودًا واضحة بين حياتك الخاصة وما يمكن مشاركته اجتماعيًا، وتذكر أن بعض الأسرار لا تحتاج جمهورًا، وبعض الأحلام تحتاج إلى عمل صامت قبل أن تصبح جاهزة للحديث عنها.

وبهذا الفهم، يصبح الإنسان أكثر راحة، وأقل عرضة للضغط والتشويش، وأكثر قدرة على بناء حياته وفق أولوياته. فحين تتعلم كيف تحمي خصوصيتك وتختار من يصل إليه صوتك وتفاصيلك، تتحول العلاقات من استنزاف إلى دعم، وتعود خطواتك إلى مركزها الصحيح: أنت، وهدفك، ووقتك.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *