التخطي إلى المحتوى

تؤكد الدكتورة ريموندا رؤوف، المتخصصة في الشأن التربوي، أن استعداد الأسرة للعام الدراسي الأول لا يقتصر على تجهيز الملابس والدفاتر، بل يبدأ عمليًا من الجانب النفسي لضمان انتقال الطفل بسلاسة إلى بيئة المدرسة. فالكثير من الأطفال يمرون بمرحلة توتر طبيعية مرتبطة بالتغيير، وقد تظهر على شكل خوف من الفصول الجديدة أو قلق من الانفصال عن الوالدين أو قلق من معلمين وأقران لا يعرفهم بعد.

وتشدد الخبيرة خلال برنامج “صباح الخير يا مصر” على مجموعة خطوات يمكن للأسرة اتباعها لتخفيف القلق وبناء الثقة، أبرزها:

أولًا: التحدث الإيجابي عن المدرسة
ينبغي أن تتحدث الأسرة مع الطفل عن المدرسة بصورة مشجعة، دون تخويف أو تهديد. يمكن تقديم المدرسة كمساحة للتعلم والأصدقاء والأنشطة الممتعة، وشرح ما سيحدث خلال اليوم الدراسي بشكل بسيط مثل: لقاء المعلمة، الجلوس في الفصل، فترات اللعب أو الأنشطة، وتناول الوجبة إن وجدت. كما يُنصح بتجنب العبارات التي ترسخ فكرة الفشل أو الألم مثل “لن تقدر” أو “ستتعب”، واستبدالها بعبارات داعمة تركز على قدرته.

ثانيًا: تعريفه بما ينتظره قبل بدء الدراسة
يساعد الإعداد المسبق على تقليل المفاجآت. يمكن اصطحاب الطفل لرؤية المدرسة إن أمكن، أو عرض صور للفصل والساحة، أو إجراء “لعبة تمثيل” في المنزل: مدرس يشرح، طالب يرفع يده، ووقت راحة. هذا النوع من التهيئة يجعل التجربة مألوفة ويخفف الخوف.

ثالثًا: ترك مساحة للتعبير عن المشاعر
من المهم أن تمنح الأسرة الطفل فرصة للحديث عن مخاوفه بدلًا من تجاهلها. عندما يعبر الطفل عن قلقه، يُفضل الرد باحترام وطمأنة بدلًا من التقليل من شأن مشاعره. يمكن السؤال: “ما أكثر شيء يقلقك؟” ثم تقديم إجابات هادئة وواقعية، مع الاعتراف بأن القلق شعور طبيعي.

رابعًا: تجنب الضغط ورفع سقف التوقعات
قد يبالغ بعض الأهالي في مطالب الأداء المبكر أو المقارنة بالآخرين، وهذا قد يزيد التوتر. المطلوب هو التشجيع التدريجي، وعدم التركيز على النتائج في البداية. فالأولوية هي التكيف والشعور بالأمان، بينما يأتي التعلم المنظم خطوة بعد خطوة.

خامسًا: دعم الثقة بالنفس عبر روتين يومي ثابت
يساعد تنظيم يوم الطفل قبل بدء الدراسة على تقليل التوتر. من ذلك تعديل مواعيد النوم والاستيقاظ تدريجيًا، وتحديد وقت للمذاكرة أو الأنشطة الخفيفة في المنزل. كما تُنصح الخبيرة بتجنب السهر قبل أول أسبوع، وتثبيت روتين صباحي بسيط يجعل الطفل يعرف “ماذا سيحدث” خطوة بخطوة.

سادسًا: تدريب تدريجي على الانفصال
إذا كان الطفل يواجه صعوبة في ترك الوالدين، فمن المفيد تطبيق تدريب تدريجي: دقائق قصيرة في البداية ثم زيادة الوقت تدريجيًا. ويمكن الاتفاق على “طقس وداع” ثابت مثل كلمة مطمئنة أو قبلة سريعة أو رسالة صغيرة، ثم الالتزام به حتى يعتاد الطفل.

سابعًا: تجهيز حقيبة اليوم الأول بطريقة تشاركية
يمكن إشراك الطفل في تجهيز الحقيبة واختيار أغراضه ضمن حدود آمنة مناسبة لعمره، ما يمنحه إحساسًا بالسيطرة والاستعداد. كما يمكن إعداد “بطاقة طمأنة” يكتب فيها الأهل عبارة قصيرة ثم توضع في الحقيبة ليقرأها عند الحاجة.

ثامنًا: متابعة اليوم الأول باهتمام دون مساءلة مفرطة
بعد العودة من المدرسة، تُفضَّل جلسة قصيرة هادئة لطرح أسئلة بسيطة مثل: “ما أفضل جزء اليوم؟” و“هل تعرفت على أي طفل؟” بدلًا من أسئلة تحقيقية قد تُشعره بالخوف. ويُهم عدم المبالغة في القلق أو تضخيم أي مشكلة صغيرة.

وتوضح الدكتورة ريموندا رؤوف أن دور الأسرة لا يتوقف عند الأيام الأولى، بل يمتد إلى متابعة احتياجات الطفل وتشجيعه وتعزيز ثقته بنفسه. فكل كلمة طمأنينة، وكل روتين ثابت، وكل فرصة للتعبير عن المشاعر، تساعد الطفل على بناء تجربة مدرسية إيجابية وبداية أكثر هدوءًا واطمئنانًا.

كما تشير الخبراء التربويون إلى أن الانتظام في السلوك الإيجابي والتعاون مع المدرسة (عند وجود صعوبات) يساهم في تسريع التكيف، خصوصًا إذا استمرت علامات القلق بشكل ملحوظ لفترة طويلة. في هذه الحالة قد يكون من المفيد التواصل مع المرشد التربوي أو المختصين لتقديم دعم مناسب للطفل.

في النهاية، تحويل القلق إلى ثقة لا يعني غياب التوتر تمامًا، بل يعني التعامل معه بذكاء وتدرّج واحتواء، حتى يشعر الطفل أن المدرسة تجربة آمنة ومليئة بالفرص الجديدة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *