التخطي إلى المحتوى

أكد الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، أن المعادلة التي كانت سائدة بين البلدين في السابق، والتي تقوم على أن «الصين تصنع ومصر تستهلك»، لم تعد كافية لمتطلبات المرحلة الحالية، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نموذج أكثر تكاملًا ينسجم مع طبيعة التحولات العالمية المتسارعة. وأوضح أن التصور المطلوب يقوم على أن «الصين تستثمر، ومصر تنتج، وإفريقيا والأسواق تشتري»، بما يضمن انتقال التعاون من نطاقه التقليدي إلى شراكات إنتاجية قادرة على تحقيق مكاسب اقتصادية ملموسة للطرفين.

وأضاف البرديسي، خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية هبة جلال في برنامج «مساء جديد» على قناة «المحور»، أن زيارة الرئيس الصيني لمصر ليست زيارة بروتوكولية عادية، بل تأتي في توقيت شديد الحساسية، في ظل تغيرات متسارعة يمر بها العالم سواء على صعيد حركة التجارة أو مسارات الملاحة والتحالفات الدولية، إلى جانب تحرك موازين القوى على نحو يفرض على الدول إعادة ترتيب أولوياتها التنموية والاستراتيجية.

وأشار إلى أن الصين لم تغب عن مصر خلال السنوات العشر الماضية، لكن الذي تغيّر هو حضور الرئيس الصيني نفسه، وهو ما يمنح الزيارة دلالات سياسية واستراتيجية إضافية، ويعكس تأكيدًا جديدًا على عمق العلاقة بين البلدين ورغبة مشتركة في تمتين الشراكات وتحويلها إلى مسارات أكثر فاعلية.

وأكد خبير العلاقات الدولية أن مصر تمتلك موقعًا استثنائيًا يجعلها عنصرًا مركزيًا في معادلات التجارة الإقليمية والدولية. فمصر دولة عربية وإفريقية ومتوسطية، وتطل على البحر الأحمر، وتضم قناة السويس التي تمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، لذلك رأى البرديسي أن مصر ليست مجرد نقطة على الطريق، بل هي «جزء من الطريق» وربما «الطريق» نفسه في كثير من سيناريوهات سلاسل الإمداد والنقل والتوسع التجاري نحو إفريقيا.

ولفت إلى أن الشراكة المصرية الصينية في إطار مبادرة «الحزام والطريق» تحمل أهمية كبيرة، لأنها تجمع بين البعد الجغرافي لمصر وبين القدرة الاستثمارية للصين وسعيها إلى دعم شبكات التجارة والاستثمار والربط اللوجستي. وأكد أن مصر بحكم مكانتها وأدوارها الاستراتيجية لا يمكن أن تجد دولة أخرى توازيها في هذه المعادلة، خصوصًا في نقطة التقاء طرق بحرية وبرية تربط آسيا بإفريقيا وأوروبا.

واعتبر البرديسي أن هذا التوقيت يمثل نقطة فاصلة في العلاقات المصرية الصينية، موضحًا أنها ليست مجرد استئناف للعلاقات القائمة منذ عقود، بل تمهيد لمرحلة جديدة تُبنى على «علاقات استراتيجية» يكون فيها التركيز على العوائد، وعلى كيفية ترجمة الشراكة إلى فوائد فعلية ومتبادلة. فبدلًا من أن يقتصر التعاون على تبادل خدمات أو توريد منتجات بصورة تقليدية، يصبح المطلوب الانتقال نحو شراكات استثمارية وصناعية وإنتاجية تخلق قيمة مضافة داخل مصر.

وشدد على أن الانتقال المنشود في المرحلة المقبلة يجب أن يتم عبر تحويل العلاقات من تعاون تقليدي إلى نموذج استراتيجي يقوم على الاستثمار والإنتاج وتحقيق عوائد متبادلة. وأوضح أن ذلك يفتح المجال أمام مصر لتكون مركزًا لإنتاج السلع وتطوير التصنيع وتعظيم فرص التصدير إلى الأسواق الإفريقية والدولية، عبر الاستفادة من موقعها كحلقة وصل بين القارات. كما ينسجم هذا الاتجاه مع التحول العالمي نحو سلاسل قيمة أكثر مرونة، وتقليل الاعتماد على مسار واحد، وبناء قدرات إنتاج محلية ترتبط بالطلب الإقليمي والدولي.

وفي هذا السياق، أكد البرديسي أن الاستثمار الصيني يمكن أن يتحول إلى قاعدة إنتاج في مصر، إذا توافر إطار تنموي يضمن نقل التكنولوجيا والمعرفة وتعميق التكامل الصناعي، ويصاحب ذلك تطوير منظومات اللوجستيات والنقل والربط التجاري، بحيث تصبح الشراكة شاملة وليست مجرد نشاط تجاري مؤقت. وبذلك تزداد فرص تعظيم العائد الاقتصادي لمصر، وتتسع قدرة الصين على توسيع وجودها الإنتاجي والاستثماري بما يخدم الطلب في المنطقة.

وخلاصة القول، يرى الدكتور طارق البرديسي أن زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة تمثل رسالة مفادها أن العلاقات المصرية الصينية في طريقها إلى مرحلة جديدة أكثر طموحًا، ترتكز على الاستثمار والإنتاج وتبادل المنافع، وتستثمر عمق موقع مصر الجغرافي وقدراتها الاقتصادية لتكون منصة حقيقية للتصنيع والتصدير نحو إفريقيا والأسواق العالمية.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *