كشف اللواء أركان حرب عادل العمدة، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية العليا، عن أبرز ملامح التطور الذي تشهده طبيعة الصراعات الحديثة، مؤكدًا أن الحروب لم تعد محصورة في المواجهات العسكرية التقليدية، بل أصبحت أكثر تعقيدًا بفعل تسارع التكنولوجيا وتوسع أدوات التأثير وتعدد قنوات التأثير في وقت واحد.
وخلال برنامج «تغطية خاصة» المذاع على قناة صدى البلد، تناول العمدة مفهوم «حروب الجيل السادس» وما يترتب عليه من انعكاسات على مجريات الصراعات الإقليمية، مع التركيز على تطورات الصراع الإيراني بوصفه أحد الملفات التي تعكس كيف تغيّر ميزان القوى عندما تتداخل أدوات متعددة تتجاوز ساحة المعركة المباشرة.
وأشار العمدة إلى أن التطور التكنولوجي غيّر بشكل جوهري أساليب إدارة الصراعات، مع زيادة الاعتماد على أدوات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، والفضاء السيبراني، والحرب الإلكترونية، والطائرات المسيرة، إضافة إلى استخدام المعلومات كأداة استراتيجية. وفي هذا السياق، لم يعد الهدف يقتصر على تعطيل القدرات العسكرية وحدها، بل يمتد إلى التأثير في الرأي العام ورفع كلفة اتخاذ القرار لدى الطرف الآخر.
كما أوضح أن الصراعات الحديثة تتجه نحو نمط «الدمج المتزامن» بين عدة وسائل في آن واحد؛ فبدلًا من أن تكون العمليات العسكرية عنصرًا منفصلًا، أصبحت تتقاطع مع أبعاد اقتصادية وسياسية وإعلامية ومعلوماتية. ويؤدي هذا التداخل إلى خلق بيئة استهداف شاملة، تستهدف البنية التحتية، وتربك أنظمة القيادة والسيطرة، وتضعف الثقة الداخلية والخارجية في مؤسسات الدولة.
وبخصوص الصراع الإيراني، رأى العمدة أن ما يجري في المنطقة يعكس طبيعة التحولات المتسارعة في شكل الصراعات، وأن امتلاك التكنولوجيا والقدرة على التعامل مع المعلومات والأنظمة الحديثة صار عنصرًا مؤثرًا في موازين القوى. فالتقدم في القدرات السيبرانية، والقدرة على توظيف البيانات، واستخدام وسائل الاستطلاع والمراقبة، قد يمنح ميزة تكتيكية واستراتيجية حتى في ظل اختلاف حجم القوات التقليدية.
وأكد أن حروب الأجيال الجديدة تستهدف إضعاف الخصم والتأثير في قدرته على اتخاذ القرار عبر أدوات متعددة ومتزامنة، بما يشمل تعطيل الأنظمة، وتشويش المعلومات، واستنزاف الموارد، وخلق روايات مضللة أو ضغط نفسي وإعلامي. وهذا يستدعي—وفقًا للعمدة—تطوير قدرات الدول على مواجهة التهديدات المستحدثة، ورفع مستوى الوعي لدى المواطنين حتى لا تتحول المعلومات إلى عامل استقطاب أو تهديد مباشر.
ولفت إلى أن فهم طبيعة الحروب الجديدة أصبح ضرورة ملحة في ظل التطور المتسارع في التكنولوجيا، مشددًا على أهمية امتلاك الدول للقدرات اللازمة لحماية أمنها القومي، سواء تعلق الأمر بتهديدات عسكرية مباشرة أو تهديدات غير تقليدية تمارس عبر الفضاء السيبراني، والحرب الإلكترونية، ووسائل التأثير المعلوماتي.
وأضافت الرؤية العامة للمشهد أن مواجهة هذه الأنماط من الصراع تتطلب منظومة متكاملة تشمل تحسين جاهزية الاستجابة، وتعزيز أمن المعلومات، وتطوير قدرات الاستشعار المبكر، ورفع كفاءة التدريب على التعامل مع تهديدات متعددة المجالات. كما تبرز الحاجة إلى استراتيجية تواصل مجتمعي وإعلامي فعّالة للحد من أثر التضليل، وتحقيق تماسك داخلي يرفع قدرة المجتمع والدولة على الصمود أمام موجات التأثير المتجددة.

التعليقات