صرّح الدكتور عصام يونس، مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان الفلسطيني، بأن ما يتعرض له الفلسطينيون في الأراضي الفلسطينية لا يقتصر على كونه “تطورًا” في سياق النزاع، بل يُظهر—بحسب وصفه—خروجًا واضحًا عن القواعد التي تحكم سلوك الدول في أوقات الحروب، بما في ذلك قواعد حماية المدنيين والمنشآت الضرورية للحياة. وأكد أن استمرار الانتهاكات تجاوز الأطر الإنسانية والقانونية المتعارف عليها دوليًا، مع غياب آليات فعالة تضمن المساءلة وتحدّ من تكرار الجرائم.
جاء ذلك في مداخلة هاتفية مع الإعلامية لبنى عسل ضمن برنامج «الحياة اليوم» عبر قناة «الحياة»، حيث ركّز يونس على الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة والضفة الغربية، وعلى ما اعتبره تواصلًا ممنهجًا للهجوم على المدنيين، في ظل بيئة لا تكفل—كما قال—المحاسبة أو ضمان احترام القانون الدولي الإنساني.
الانتهاكات ضد المدنيين والمنشآت المحمية
وأوضح مدير مركز الميزان أن المشهد الإنساني يضم اعتداءات واسعة تشمل المدنيين، بما في ذلك الأطفال والنساء، إضافة إلى استهداف منازل المواطنين ودور العبادة والمنشآت الطبية، وهي فئات تتمتع بحماية خاصة وفقًا لقواعد النزاع. وشدّد على أن خطورة ما يحدث لا تنحصر فقط في حجم الخسائر البشرية، بل في استمرار هذه الممارسات أمام المجتمع الدولي، على الرغم من وجود قواعد واضحة تنظّم التعامل مع المدنيين خلال النزاعات المسلحة.
ولفت يونس إلى أن الصور ومقاطع الدمار والضحايا التي تنتشر مباشرة عبر وسائل الإعلام كان من المفترض أن تُترجم إلى إجراءات دولية عاجلة لوقف الانتهاكات، إلا أن ذلك—وفق رأيه—لم يظهر على شكل خطوات مؤثرة، الأمر الذي فاقم معاناة السكان وزاد من اتساع نطاق الأزمة الإنسانية.
أوضاع الأسرى: كرامة المعتقلين على المحك
وتناول عصام يونس أوضاع الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية، مشيرًا إلى ممارسات تمس كرامة الأسرى والمعتقلين، وخاصة النساء والأطفال. وقال إن التقارير والمشاهد المتداولة حول اقتحام الزنازين والاعتداء على المحتجزين تُظهر—بحسب توصيفه—أن الأذى لا يقتصر على العقاب، بل يتخذ أيضًا طابعًا نفسيًا وإهانيًا.
كما كشف مدير مركز الميزان، وفقًا لما ذكره خلال المداخلة، عن وفاة أكثر من 300 فلسطيني داخل السجون نتيجة ما وصفه بالتعذيب والإهمال الطبي. واعتبر أن غياب المحاسبة يُعد عاملًا رئيسيًا في استمرار الانتهاكات، لأن الإفلات من العقاب يمنح مرتكبي الجرائم هامشًا لمواصلة ممارساتهم دون رادع.
التهجير كمسار حاضر: من الصعب تجاهله
وحذّر يونس من استمرار سياسات تؤدي إلى جعل الحياة في غزة والضفة الغربية أكثر صعوبة، معتبرًا أن ذلك يصب في اتجاه دفع الفلسطينيين—بطريقة مباشرة أو غير مباشرة—لمغادرة أراضيهم. وشدد على أن مخطط التهجير لا يزال حاضرًا ضمن أجندات سياسية قائمة، وأن أي محاولة لتغيير واقع السكان تمثل تهديدًا إضافيًا للحق الفلسطيني في البقاء على الأرض.
وأكد أن صمود الفلسطينيين ورفضهم لهذا المسار يُعد عاملًا حاسمًا في مواجهة التهجير، كما شدّد على أن استمرار الضغط الشعبي والقانوني والإعلامي يظل جزءًا من أدوات المواجهة.
دعم الموقف المصري والرفض لتصفية القضية
وثمّن الدكتور عصام يونس الموقف المصري الرافض لتهجير الفلسطينيين ولـ“تصفية” القضية الفلسطينية، معتبرًا أن القاهرة تؤدي دورًا مهمًا في منع فرض واقع جديد على الفلسطينيين أو العبث بمصيرهم. وأشار إلى أن رفض التهجير ليس موقفًا سياسيًا فحسب، بل مرتبط أيضًا بحماية الحقوق الأساسية ووقف أي مساعٍ لتغيير التركيبة السكانية أو فرض حلول قسرية.
كما أكد ضرورة تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار والعودة إلى مسار التهدئة، لأن استمرار الهدوء ووقف العمليات العسكرية—وفق رأيه—يسهم في قطع الطريق أمام مخططات استهداف المدنيين ودفع السكان لترك أراضيهم.
انتقاد ازدواجية المعايير الدولية
وجّه يونس انتقادات لما وصفه بازدواجية المعايير في التعامل الدولي مع الأزمات والحروب. وبيّن وجود تفاوت واضح في حجم الاهتمام والتحرك الدولي بين أزمات مختلفة حول العالم، مقارنة بما يحدث في قطاع غزة، رغم خطورة الانتهاكات ووضوح الأدلة المتاحة.
وشدد على أن المجتمع الدولي يملك—بحسب قوله—أدوات قانونية وسياسية يمكن أن تسهم في وقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، لكن غياب الإرادة السياسية يحول دون الوصول إلى نتائج حقيقية على الأرض.
الضغط على المحكمة الجنائية الدولية
وفي سياق آخر، انتقد مدير مركز الميزان مواقف إسرائيل من المحكمة الجنائية الدولية، معتبرًا أن محاولات الضغط على المحكمة وقضاتها ومدعيها العام تهدف إلى التأثير في مسار التحقيقات المتعلقة بالجرائم المرتكبة في الأراضي الفلسطينية.
وأكّد أن فتح مسار قانوني للتحقيق يجب ألا يُقابل باستهداف المؤسسة القضائية الدولية أو محاولة تعطيل عملها عبر ضغوط أو حملات، لأن غياب المحاسبة—كما يرى—يشجع على استمرار الانتهاكات ويعمق الأزمة الإنسانية والقانونية.
نحو عدالة ومساءلة لوقف دائرة الإفلات من العقاب
واختتم عصام يونس حديثه بالتأكيد على أن العدالة والمساءلة الدولية عنصران أساسيان لوقف الانتهاكات بحق الفلسطينيين. واعتبر أن استمرار غياب المحاسبة يكرّس الإفلات من العقاب ويجعل الأزمة أكثر تعقيدًا، ويؤدي إلى تمدد الأذى بدلًا من إنهائه. كما شدد على أن أي معالجة حقيقية تتطلب خطوات ملموسة تجمع بين وقف العنف وفرض احترام القانون الدولي، بما يضمن حماية المدنيين وعدم تحويل حقوقهم إلى مجرد شعارات سياسية.

التعليقات