التخطي إلى المحتوى

حذر هشام عيسى، خبير المناخ والتنمية المستدامة والمنسق الأسبق لاتفاقية التغيرات المناخية، من خطر صامت يتوسع تدريجيًا حول العالم يتمثل في تدهور الأراضي، مؤكدًا أن العلاقة بين تغير المناخ وتدهور الأراضي علاقة وثيقة ومتداخلة؛ فكلٌ منهما يعزز الآخر، ولا يمكن مواجهة التحدي عبر التعامل مع أحدهما بمعزل عن الآخر.

وأشار خلال مداخلة هاتفية ببرنامج «صباح الخير يا مصر» المذاع على القناة الأولى، إلى أن قرابة 40% من الأراضي المستغلة والزراعية والخضراء حول العالم تتعرض لأحد أشكال التدهور. ويأتي ذلك نتيجة عدة عوامل متشابكة، أبرزها الجفاف المتكرر، والممارسات الزراعية غير المستدامة، إلى جانب آثار تغير المناخ التي تؤثر في أنماط الأمطار والحرارة والتوازن البيولوجي للتربة.

40% من الأراضي تحت ضغط التدهور: أزمات تتراكم بصمت

تزايد تدهور الأراضي يشكل تهديدًا مباشرًا لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، لأنه يرتبط ارتباطًا مباشرًا بـالأمن الغذائي وبـالموارد الطبيعية وبـسبل معيشة ملايين الأشخاص. فكل خسارة في خصوبة التربة أو ارتفاع في ملوحتها أو تراجع في الغطاء النباتي يعني انخفاضًا في الإنتاجية الزراعية، وزيادة في المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، خصوصًا في المناطق الأشد هشاشة.

ما المقصود بتحييد تدهور الأراضي؟ استعادة قدرة الأرض على الإنتاج

وتبرز أهمية مفهوم تحييد تدهور الأراضي، والذي يهدف إلى إعادة تأهيل الأراضي المتدهورة بحيث تستعيد قدرتها على العمل بصورة أفضل، سواء كانت المشكلة ناجمة عن ارتفاع معدلات الملوحة أو عن الاستخدام الجائر للموارد أو تدهور الغطاء النباتي. كما يشمل ذلك استصلاح أراضٍ صحراوية وتحويلها إلى مساحات أكثر ملاءمة للزراعة والإنتاج عبر تدخلات مدروسة، مع حماية التربة من الانجراف وفقدان محتواها العضوي.

كيف تساعد التكنولوجيا في استعادة كفاءة التربة؟

وأكد الخبير أن التكنولوجيا الحديثة يمكن أن تؤدي دورًا محوريًا في استعادة جزء كبير من كفاءة الأراضي المتدهورة. ومن بين الآليات التي يمكن أن تسهم في تحسين جودة التربة:

  • الزراعة الدقيقة باستخدام بيانات الطقس والتربة لتقليل الهدر ورفع الإنتاجية.
  • تحسين إدارة الري عبر نظم الري المتطور وتقنيات ضبط الرطوبة لتخفيف آثار الجفاف.
  • ممارسات حفظ التربة مثل تغطية التربة وتقنيات تقليل الانجراف.
  • تحسين خصوبة التربة عبر إدارة فعالة للمواد العضوية وتقنيات إعادة تأهيل التربة.

كما أن دمج التكنولوجيا مع برامج الإحياء الزراعي يتيح توجيه الموارد نحو المناطق الأكثر احتياجًا، ويزيد من فرص نجاح التدخلات على المدى المتوسط والطويل.

التمويل شرط أساسي: بدون استثمار لا يمكن توسيع الحلول

وشدد هشام عيسى على أن توظيف التكنولوجيا لمواجهة تدهور الأراضي يتطلب تمويلًا كافيًا، إضافة إلى إتاحة التقنيات الحديثة للدول والمناطق الأكثر تأثرًا بتغير المناخ. فالتحدي ليس تقنيًا فقط، بل هو كذلك اقتصادي ومؤسسي؛ إذ إن برامج الاستصلاح وإعادة التأهيل تحتاج إلى استمرارية في الاستثمار والتدريب وبناء القدرات.

الإنذار المبكر للجفاف: خطوة حاسمة لتقليل الخسائر

ومن الأدوات التكنولوجية المهمة التي دعا إلى التوسع فيها أنظمة الإنذار المبكر للجفاف. فهذه الأنظمة تساعد على التنبؤ بالمخاطر المناخية قبل تفاقمها، وتمنح الحكومات والمزارعين وقتًا لاتخاذ إجراءات تقلل الأثر السلبي، مثل تعديل مواعيد الزراعة، وترشيد استخدام المياه، وتفعيل خطط إدارة الطوارئ.

التعامل مع تدهور الأراضي مسؤولية دولية لا تقف عند الحدود

وأكد أن معالجة تدهور الأراضي لا تعتمد على حلول محلية فقط، بل تحتاج إلى إرادة دولية حقيقية لحماية الموارد الطبيعية والحد من معدلات تدهور الأراضي، خاصة في ظل تصاعد التحديات المناخية عالميًا. وتزداد أهمية التعاون الدولي لأن آثار التدهور لا تبقى داخل دولة بعينها؛ بل قد تمتد عبر التأثير على الأسواق الزراعية وسلاسل الإمداد والهجرة والنزاعات المرتبطة بندرة الموارد.

وفي المحصلة، فإن التحرك العاجل لحماية الأراضي—من خلال تعزيز التكنولوجيا والإنذار المبكر وتوفير التمويل—يدعم الأمن الغذائي ويحافظ على قدرة الأراضي على الإنتاج للأجيال المقبلة. كما أن الاستثمار في حلول تحييد تدهور الأراضي يمثل مسارًا عمليًا لإعادة التوازن البيئي وتحسين فرص التنمية المستدامة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *