يشدد الدكتور محمود عليان، خبير العلوم الإنسانية، على أن حماية الأبناء لا تُبنى على تطبيقات التتبع أو المراقبة المستمرة، بل تبدأ من “التربية السليمة” وغرس الوعي وتعزيز الإحساس بالمسؤولية داخل الطفل. ويؤكد أن التكنولوجيا ينبغي أن تكون وسيلة مساعدة عند الحاجة، لا أن تتحول إلى بديل عن دور الأسرة أو عن بناء العلاقة القائمة على الثقة والاحترام.
التتبع كخيار استثنائي لا كحل تربوي
يوضح عليان، خلال حديثه مع الإعلامي هشام موسى ضمن برنامج «خط أحمر» على قناة «الحدث اليوم»، أن أدوات تحديد الموقع والتتبع قد تكون مفيدة في حالات محددة، خاصة مع الأطفال في المراحل العمرية الأصغر، حين تكون الحاجة إلى قدر أكبر من الرعاية والمتابعة. لكن تحويل التتبع إلى “حل أساسي لكل مشكلة” تربوية قد يُضعف المسار التربوي ويقلل من فرص الطفل في تعلم السلوك السليم من خلال الفهم والاقتناع.
ويرى الخبير أن اعتماد الأهل على المراقبة الدائمة قد يخلق لدى الطفل نمطًا سلوكيًا قائمًا على الخوف من اكتشاف الأخطاء بدلًا من تنمية الضمير الداخلي. وفي المقابل، فإن بناء القواعد التربوية الواضحة، والحوار المستمر، وتوجيه الطفل ليفهم لماذا هذا السلوك صحيح وليس مجرد “ماذا سيفعله الأهل”، هي العناصر الأهم.
الخصوصية والحرية خطوط حمراء في التعامل
يشير عليان إلى أن الحرية والخصوصية والاعتبارات الأخلاقية تمثل خطوطًا حمراء عند التعامل مع الأبناء. فحتى مع وجود وسائل حماية رقمية، يجب ألا تُستخدم بما يمس كرامة الطفل أو يعكس عدم الثقة أو يختزل الإنسان في “مراقبة سلوك”. ويؤكد أن الطفل لا يحتاج فقط إلى الحماية من المخاطر، بل يحتاج كذلك إلى الشعور بأنه يُعامل كبشر له حق في الخصوصية والاختيار تدريجيًا.
ومع تقدم عمر الطفل، يجب أن تتغير طبيعة العلاقة معه: تقل المراقبة المباشرة تدريجيًا، وتتقدم مساحة الثقة. فبدلًا من السؤال المتكرر “أين أنت؟” يتحول التركيز نحو دعم الطفل في اتخاذ القرار وتحمل تبعاته، عبر أساليب تربوية تتدرج مع العمر.
منظومة حماية متكاملة: الأسرة والمدرسة والمجتمع
يعيد الخبير إلى الأذهان أن المجتمع في الماضي لم يكن يمتلك التكنولوجيا التي تتيح للأهل معرفة التحركات لحظة بلحظة، ومع ذلك كانت هناك منظومة متكاملة للتربية والحماية. فالعناصر التي تُصنع شخصية الطفل لم تكن مقتصرة على الملاحظة الرقمية، بل شاركت فيها الأسرة والمدرسة والمعلم والإعلام والمجتمع.
ومن هنا، يؤكد أن وضع التكنولوجيا في مقدمة الحلول التربوية قد يعني ـ حسب تعبيره ـ «وضع العربة أمام الحصان»، إذ إن الأساس هو بناء شخصية واعية قادرة على التمييز بين الصواب والخطأ، ثم استخدام أدوات تقنية كإسناد عند الحاجة وليس كمحرك رئيسي للتربية.
كيف تُبنى الثقة بدلًا من المراقبة؟
يقترح عليان توجيهًا عمليًا يقوم على الحوار المستمر ووضع قواعد واضحة ومفهومة داخل البيت. فحين يفهم الطفل حدود المسؤولية ولماذا تُفرض، يصبح أكثر استعدادًا لاحترامها. كما أن إشراك الطفل في النقاشات المتعلقة بالسلامة يعزز ثقته بنفسه ويجعله شريكًا في اتخاذ القرار بدلًا من كونه موضوعًا للمراقبة.
ومن المهم كذلك تدريب الطفل على “التصرف عند حدوث الخطر”: ماذا يفعل إذا شعر بتوتر أو تهديد؟ من يخبر؟ وكيف يتواصل؟ هذه مهارات حياتية تقلل الاعتماد على الرقابة وتزيد قدرته على حماية نفسه.
هدف التربية: شباب واعون مسؤولون
يختتم عليان حديثه بالتأكيد أن الهدف النهائي من التربية هو إعداد شباب أسوياء يمتلكون القدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ قراراتهم الصحيحة، إلى جانب التمسك بالقيم مثل الشهامة والنخوة والالتزام الأخلاقي. فالتربية الناجحة لا تنتج طفلًا يعتمد طوال الوقت على رقابة خارجية لتحديد خطواته، بل تنتج شخصًا يملك وعيًا داخليًا يجعله قادرًا على الاختيار السليم حتى في غياب المراقبة.
وبذلك، تتحول حماية الأبناء إلى عملية تربوية متكاملة تُوازن بين الأمان والخصوصية، وتمنح الطفل تدريجيًا مساحة أكبر للثقة والقرار، مع اعتبار التكنولوجيا مجرد أداة ضمن منظومة أوسع من التربية والحوار وبناء الوعي.

التعليقات