تُعدّ منطقة كردفان إحدى أبرز ساحات المواجهات العسكرية في السودان حاليًا، لما تمتلكه من موقع استراتيجي يضعها في قلب الحسابات العملياتية للجهات المتحاربة، إذ يرى الكاتب الصحفي السوداني ماهر أبو الجوخ أن كردفان تمثل “محورًا” مؤثرًا في مسار العمليات الجارية، خصوصًا من زاوية قدرتها على فتح طرق التقدم نحو إقليم دارفور.
ويؤكد أبو الجوخ في حديثه لبرنامج «حقائق وأسرار» مع الإعلامي مصطفى بكري على قناة «صدى البلد» أن حسم المعارك داخل كردفان قد ينعكس مباشرة على قدرة الجيش السوداني على مواصلة تقدمه غربًا، لأن السيطرة على هذه المنطقة لا ترتبط بالمسار الجغرافي فحسب، بل أيضًا بالقدرة على تأمين خطوط الحركة والتموين والتمركز. كما يشير إلى أن طبيعة المواجهات تبدو أكثر حدة في كردفان، في ظل وجود تداخلات اجتماعية ومحلية لبعض مكونات قوات الدعم السريع، بما يجعل خطوط القتال تمتد إلى طبقات أوسع من مجرد الاصطفاف العسكري التقليدي.
لكن أهمية كردفان لا تقف عند الجانب العسكري فقط؛ بل تتجاوز ذلك إلى أبعاد اقتصادية وديموغرافية بالغة الحساسية. فإقليم كردفان منطقة ذات ثقل سكاني، ما يعني أن أي تصاعد أو تغيير ميداني فيها ينعكس على حياة السكان من حيث التنقل والعمل والخدمات، إضافة إلى أثره على الاستقرار الداخلي داخل المعسكرات والمدن والقرى. كما أن كردفان ترتبط بحركة التجارة وتدفقات الصادرات القادمة من دارفور وكردفان، وعلى رأسها تجارة المواشي، إضافة إلى الصمغ العربي الذي يُعدّ من أبرز الموارد المرتبطة باقتصاد المنطقة.
ومن زاوية أوسع، يوضح أبو الجوخ أن تطورات المشهد داخل قوات الدعم السريع—بما في ذلك الانقسامات والتحولات السياسية والعسكرية—تتفاعل مع عوامل اجتماعية وإقليمية متعددة، ما ينتج عنه ديناميكية معقدة داخل ساحة القتال. ووفق هذا التصور، فإن مسار المعارك في كردفان لا يُنظر إليه باعتباره حدثًا ميدانيًا منفصلًا، بل باعتباره أحد المحددات الأبرز التي قد تؤثر على شكل الحرب واتجاهاتها خلال المرحلة المقبلة.
وتبرز كذلك أهمية كردفان على مستوى التأثيرات اللوجستية: إذ إن السيطرة على طرق الإمداد، والمعابر، والمناطق التي تشكل عقدًا مواصلات، تمنح الطرف المسيطر ميزة في إدارة المعارك والسيطرة على الإيقاع الزمني للتقدم أو التعثر. كما أن وجود تشابكات محلية—سواء بين تشكيلات مسلحة أو شبكات نفوذ اجتماعي—قد يرفع من صعوبة الحسم السريع ويطيل أمد المواجهات، خصوصًا عندما تتداخل الولاءات والاقتصاد المحلي مع خطوط القتال.
في المحصلة، تبدو كردفان منطقة “مفصلية” في مسار الحرب: عسكريًا لأنها تؤثر في اتجاهات التقدم نحو دارفور، واقتصاديًا لأنها مرتبطة بمصادر دخل وتجارة حيوية كالمواشي والصمغ العربي، واجتماعيًا لأنها تحتضن شبكة علاقات محلية قد تؤثر في سلوك الأطراف وفي قدرة أي جهة على تثبيت السيطرة. ولذلك فإن تطورات الأوضاع في كردفان تُعدّ من أكثر الملفات التي يُتوقع أن ترسم ملامح المرحلة التالية للصراع في السودان.

التعليقات