أُثير مجددًا الجدل حول توافر الأنسولين في السوق المصري، في ظل تساؤلات تتعلق بوجود نقص في بعض الأصناف وبدقة مقارنة فاعلية البدائل المحلية بالمنتجات المستوردة. وفي هذا السياق، أكد الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، أن الأزمة ـ كما تُتداول إعلاميًا ـ ليست “نقصًا فعليًا” بالمعنى الدقيق، بل ترتبط بدرجة كبيرة بسلوكيات بعض المرضى والسعي وراء أسماء تجارية محددة، حتى عندما تتوفر بدائل مصرية تقوم بالدور العلاجي المطلوب.
وأوضح عوف أن توجه الدولة إلى تقليل الاعتماد على الأنسولين المستورد لا يعني إلغاء المستورد كليًا، بل يأتي ضمن سياسة ترشيد ترتكز إلى وجود بديل محلي متاح وقادر على تلبية احتياجات غالبية المرضى. وأشار إلى أن تصريحات وزير الصحة بشأن عدم التوسع في الاستيراد تم تقديمها ضمن إطارها الصحيح، وهو الاعتماد على الإنتاج المحلي عندما تتوافر البدائل المناسبة.
وأكد الدكتور علي عوف أن جزءًا من أسباب سوء الفهم يعود إلى ارتباط طلب المريض باسم تجاري بعينه، وهو ما قد يؤدي إلى انطباع خاطئ بوجود نقص في الأنسولين. فبينما تكون هناك إمدادات من الأنسولين المحلي أو بدائل مكافئة علاجيًا، قد يرفض بعض المرضى استبدال الاسم التجاري المعتاد، مما يجعل المشكلة تبدو وكأنها نقص في المادة العلاجية نفسها.
وأشار عوف كذلك إلى أن الصيدلي، عند عدم توافر صنف مستورد مطلوب بالاسم التجاري، يصرف بديلًا محليًا أو بديلًا آخر ضمن الضوابط المنظمة، بما يضمن استمرار العلاج وفق ما تسمح به منظومة التوريد والرقابة الدوائية. وأكد أن التعامل لا يتم وفق اجتهادات شخصية، وإنما وفق القواعد التي تحكم صرف الأدوية.
وبخصوص الاتهامات المرتبطة بضعف فاعلية الأنسولين المصري، نفى عوف وجود ما يدعم تلك الادعاءات علميًا، مشيرًا إلى أنه لم تُقدم دراسة أو بيانات معملية أو نتائج بحثية رسمية تثبت عدم كفاءة المنتج المحلي. وذكّر بأن تقييم الأدوية لا يعتمد على الانطباعات الفردية أو التجارب الشخصية، وإنما على الدراسات العلمية والاختبارات والتحليلات والبيانات التي تصدرها الجهات المختصة.
وأضاف رئيس شعبة الأدوية أن هيئة الدواء المصرية، بحسب ما ذكره، لم تتلقَّ شكوى رسمية تطعن في جودة الأنسولين المحلي، وهو ما يعزز الموقف القائل بوجود بديل محلي مناسب لمن يحتاجه، ضمن إطار رقابي تنظيمي.
ومن ناحية التكلفة، كشف الدكتور علي عوف عن حجم الفارق المالي بين الأنسولين المحلي والمستورد، موضحًا أن تكلفة الأنسولين المصري تصل إلى نحو 4.2 مليار جنيه، مقابل نحو 8 مليارات جنيه للأنسولين المستورد. وأوضح أن الاعتماد على المنتج المحلي يتيح توفير مليارات الجنيهات يمكن توجيهها إلى تطوير المستشفيات وتحسين البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات الصحية في مختلف المحافظات.
وشدد عوف على أن الدولة لا تتجه لمنع الأنسولين المستورد بصورة مطلقة، وإنما تسعى إلى قصره على الحالات التي تحتاج إلى أصناف أو تقنيات علاجية غير متوافرة ضمن التصنيع المحلي. وذكر أن هذه الفئة لا تمثل الغالبية، وتقديرًا تمثل نحو 5% من إجمالي المرضى. وأكد أن استمرار توفير المستورد لهذه الحالات يضمن ألا يتأثر المرضى الذين لا تتوافر لهم بدائل محلية مناسبة.
كما أوضح أن بعض الحالات المرضية قد تحتاج إلى أدوية تعتمد على تقنيات جينية وبيولوجية حديثة لم يتم تصنيعها محليًا حتى الآن، ما يستدعي وجود الإمداد المستورد لتغطية الاحتياج العلاجي. وبالتالي، فإن السياسات التي تستهدف تقليل الاستيراد تهدف إلى تحقيق توازن بين ضمان العلاج للجميع وترشيد الإنفاق العام.
واختتم رئيس شعبة الأدوية بالتأكيد على دعم قرار وزير الصحة بشأن ترشيد استيراد الأنسولين، معتبرًا أن القرار يستند إلى حقيقة وجود بديل محلي قادر على تغطية الجزء الأكبر من الاحتياجات. ورأى أن “المعادلة” التي تتحقق هي الجمع بين صحة المريض واستدامة المنظومة الدوائية، عبر تعزيز الصناعة المحلية عندما يكون ذلك ممكنًا، مع استمرار توفير المستورد للحالات الخاصة التي تحتاجه.
وفي إطار هذه الرؤية، يصبح الفهم العام للنقص ضرورة تصحيحها: فوجود بديل لا يعني بالضرورة أن كل مريض سيقبل استبدال الاسم التجاري، لكن ذلك لا يلغي توفر العلاج ضمن منظومة الصرف والبدائل. ومن ثم، فإن مواجهة الجدل لا تتطلب فقط قرارات توريد، بل تتطلب أيضًا توعية تنظيمية وعلمية حول “البديل المكافئ علاجيًا” وآليات الصرف وما تقرره الجهات المختصة لضمان وصول الدواء المناسب في الوقت المناسب.

التعليقات