التخطي إلى المحتوى

تؤكد الدكتورة ماريان جرجس، الكاتبة والباحثة في الشأن السياسي والعلاقات الدولية، أن منطقة الشرق الأوسط تمرّ بتحولات متسارعة تمهّد لمرحلة جديدة بملامح مختلفة، وأن جزءًا مهمًا من هذه الملامح يتشكل عبر مبادرات وصناعات عربية تسعى إلى ترسيخ دور الدول الإقليمية في إدارة التحديات الأمنية. وفي هذا السياق، أشارت إلى أن الإعلان عن التحالف البحري الدفاعي جاء في ظل تصاعد المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة وتزايد الضغوط على سلاسل الإمداد البحرية، خاصة مع استمرار توتر البيئة الإقليمية وارتفاع كلفة النقل وتأمين الشحنات، لاسيما شحنات الطاقة التي تمر عبر ممرات استراتيجية.

وتوضح جرجس أن التحالف يستند إلى قيادة سعودية، مع تولي باكستان منصب نائب القيادة، بما يضمن توازنًا في الخبرات والقدرات بين طرفين ذوي وزن إقليمي ودور في مراقبة المسارات البحرية وحماية المصالح المرتبطة بالتجارة العالمية. وتتمثل الفكرة الأساسية—بحسب ما تطرحه الباحثة—في تعزيز قدرة الدول الإقليمية على حماية أمنها وممراتها البحرية، بدلًا من الاعتماد الكامل على قوى خارجية بعيدة جغرافيًا أو على الولايات المتحدة بصورة تقليدية، بما يسمح بمرونة أكبر في التعامل مع الأزمات واحتياجات الاستجابة السريعة.

وتلفت الباحثة إلى أن التحالف لا يقتصر على دول المنطقة فقط، بل يضم عددًا من الدول العربية إضافة إلى دول من خارج الإقليم، وهو ما يعكس رغبة في بناء ترتيبات تعاون تتجاوز الحدود السياسية الضيقة. كما تؤكد أن مشاركة الدول الإقليمية في هذا الترتيب الأمني تعكس توجّهًا نحو مزيد من التعاون المشترك، وتدفع نحو خلق منظومة عمل مؤسسيّة تقلل الفجوات بين القدرات المتاحة، وتدعم تبادل المعلومات وتعزيز التنسيق في المهام.

ومن زاوية تنفيذية، تشير جرجس إلى أن لكل دولة مشاركة دورًا محددًا داخل التحالف، مع تركيز عملي على مهام الدفاع وتأمين السفن وحماية خطوط الملاحة. وتشدد على أن مفهوم الأمن البحري لا ينفصل عن الواقع على الأرض؛ إذ ترتبط سلامة البحر بعوامل مرتبطة بالأوضاع الإقليمية، مثل ضبط الحدود، ودعم الاستقرار، وإدارة المخاطر المرتبطة بالتشغيل البحري والقرصنة والتهديدات العابرة للحدود.

وبالإضافة إلى الجانب الدفاعي، فإن التحالف—وفق القراءة التي تقدمها الدكتورة ماريان جرجس—قد يفتح المجال لتعزيز قدرات الدول المشاركة عبر التدريب المشترك، وتوحيد إجراءات الاستجابة للطوارئ، وتحسين قدرات المراقبة والرصد. كما يمكن أن يسهم في تقليل زمن الاستجابة للأحداث الطارئة في الممرات الحساسة، وفي رفع كفاءة تأمين الشحنات وتقليل تكاليف المخاطر المرتبطة بالتوترات الإقليمية.

وفي المحصلة، ترى الباحثة أن التطورات الأخيرة تعكس إعادة ترتيب لمنظومة الأمن الإقليمي، وأن الشرق الأوسط يتجه نحو صياغة ترتيبات جديدة يمنح فيها للدول العربية والإقليمية دورًا أكبر في تحديد أولويات الحماية البحرية وتنسيق أدواتها، بما يعزز الاستقلال النسبي في القرار الأمني ويزيد من فرص العمل الجماعي القادر على التعامل مع التحديات المتغيرة.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *