التخطي إلى المحتوى

قال الخبير الاقتصادي أحمد شريم إن تصدر اليابان والصين قائمة مشتريات/حيازة سندات الخزانة الأمريكية يرتبط بعوامل نقدية وسياسية متداخلة، أبرزها اختلاف أولويات البنوك المركزية في البلدين وإدارة كل منهما لتوازن المخاطر المرتبط بتقلبات الدولار وعوائد السندات.

وأوضح شريم، خلال مداخلة عبر شاشة «القاهرة الإخبارية»، أن حيازات اليابان من السندات قصيرة الأجل شهدت تراجعاً ملحوظاً لتصل إلى نحو 70 مليار دولار، وهو تراجع يعكس جزئياً جهود بنك اليابان في دعم قيمة الين وتنظيم ظروف التمويل المحلية. ووفق قراءة اقتصادية للتطورات، فإن تركيز السياسة النقدية اليابانية على تخفيف حدة تذبذب العملة قد يدفع المؤسسات المالية في اليابان إلى إعادة توزيع محافظها بما يتناسب مع احتياجات السيولة الداخلية، وتقليل التعرض المباشر للأصول الأمريكية القصيرة الأجل.

وأضاف شريم أن الصورة بالنسبة للصين تختلف من حيث طبيعة البيانات وطريقة تتبع الحيازة، إذ لا تعكس بيانات وزارة الخزانة الأمريكية الصورة الكاملة لحجم ما تملكه بكين فعلياً. وبيّن أن الصين تعتمد بدرجة أكبر على وسطاء ووكلاء وصناديق أوروبية في عمليات شراء سندات الخزانة والأصول الأمريكية، بما يجعل جزءاً من الملكية يَظهر تحت كيانات خارجية في دول مثل لوكسمبورج وفرنسا. وتُعد هذه الآلية، من منظور إداري واستثماري، وسيلة لإدارة الأصول بطريقة أكثر مرونة، وتساعد أيضاً على توزيع المخاطر والاحتفاظ بدرجة أعلى من الخصوصية فيما يتعلق بمحفظة الاستثمارات.

وأشار الخبير إلى أن استخدام قنوات وسيطة يمنح الصين قدرة أكبر على تعديل تعرضها للأصول الأمريكية دون إثارة ردود فعل سياسية مباشرة، ما يقلل من هامش استخدام واشنطن للسندات كسلاح في المواجهات الاقتصادية. فبدلاً من أن يكون التحرك الصيني ظاهراً كخفض مباشر للحيازة داخل الولايات المتحدة، قد يتم تنفيذ ذلك عبر إعادة توجيه الملكية أو عبر الاستثمار في أصول تُسجل ضمن كيانات وسيطة.

وفي هذا السياق، أوضح شريم أن بكين تُظهر ميلاً إلى خفض حيازاتها المباشرة داخل الولايات المتحدة، بينما تستمر—أو قد تزيد أحياناً—الاحتفاظ بأصول أمريكية عبر قنوات خارجية. ويُفسر ذلك بأن إدارة المحفظة لا تعتمد على «البيع/الشراء» فقط، بل تشمل كذلك إعادة تصنيف الأصول، وتغيير مدة الاستثمار، والتحوط من مخاطر سعر الصرف وتغيرات العوائد. كما أن اختلاف فئات السندات—قصيرة الأجل مقابل المتوسطة والطويلة—قد يؤدي إلى تباين واضح في أرقام الحيازات المعلنة، حتى لو لم تتغير استراتيجية الدولة الاستثمارية جوهرياً.

وتُبرز هذه التطورات كيف أن علاقة الدول الكبرى بسندات الخزانة الأمريكية لم تعد مجرد علاقة مالية ثابتة، بل أصبحت مرتبطة أيضاً بسلوك البنوك المركزية، وتفضيلات التحوط لدى المستثمرين، وبنية الأسواق المالية العالمية التي تتيح نقل الملكية عبر صناديق وكيانات متعددة. ومن ثم، فإن أي قراءة للأرقام المنشورة تحتاج إلى مراعاة طبيعة القنوات المستخدمة في الاستحواذ، إضافة إلى تأثير السياسات النقدية وتطورات سوق الصرف وعوائد السندات.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *