أكد الدكتور إبراهيم رضا، من علماء الأزهر الشريف، أن مقصود التشريع ليس التعسف أو الإضرار بالآباء، بل تحقيق قاعدة شرعية راسخة هي «لا ضرر ولا ضرار»، بما يضمن حقوق الأبناء واستقرار الأسرة. وبيّن أن الشريعة الإسلامية أوجبت على الأب النفقة على أبنائه، وأن ما تقوم به الأم من نفقة ورعاية بعد الانفصال يكون في الأصل من باب الإحسان والفضل، لا باعتباره بديلاً إجباريًا عن مسؤولية الأب.
وأوضح رضا خلال مداخلة هاتفية مع الإعلامية بسمة وهبة في برنامج «90 دقيقة» عبر فضائية «المحور» أن من أبرز الإشكاليات التي ظهرت في بعض البيئات المجتمعية أن بعض الآباء، بعد الانفصال، يتخلّون عمليًا عن مسؤولية رعاية الأبناء، فيُترك العبء كاملاً على الأم، وكأن العلاقة بالأبناء انتهت. وأشار إلى أن هذا التصرف يتعارض مع روح الشريعة ومقاصدها، لأن الزواج في التصور الإسلامي يقوم على تحمل الأعباء والمسؤوليات والنفقات اللازمة للأبناء.
وأضاف أن أحكام الزواج ومسؤولياته لا تُفهم بمعزل عن القدرة والاستطاعة؛ فالشريعة تُراعي حالة الشخص وطاقته المالية وقدرته على توفير حد معقول من متطلبات الحياة. لذلك أكد أنه لا يجوز الإقدام على الزواج لمن لا يملك القدرة على تحمل أعبائه، خاصة إذا ترتب على ذلك ضرر متوقع للأبناء أو عجز عن الوفاء بمتطلبات الحياة الأساسية.
كما شدد على أهمية دور الدولة في حماية مصلحة الأطفال عند وقوع التعثر أو العجز، عبر وضع آليات عادلة تضمن لهم الرعاية والنفقة التي تكفل حياة كريمة. وذكر أن حالات العجز المالي أو التعثر تعد حالات استثنائية لا يجوز تحويلها إلى قاعدة عامة تُسوّغ التخلي عن المسؤولية، بل يُنظر إليها باعتبارها ظروفًا مؤقتة أو قدرًا يحتاج إلى حلول تحفظ الحقوق.
ولتعزيز الاستقرار، أشار إلى أن أموال الزكاة يمكن أن تُسهم—وفق الضوابط الشرعية—في دعم المتعثرين ممن تعذر عليهم الإنفاق، بحيث لا يُترك الأبناء بلا رعاية، مع مراعاة الحفاظ على كرامة الإنسان وعدم تحويل المساعدة إلى مهانة أو إجراء عشوائي. وبيّن أن الغاية النهائية هي سد حاجة الأبناء وضمان انتظام حياتهم التعليمية والصحية والنفسية.
وختم رضا بالتأكيد على ضرورة وجود قواعد عامة تحقق «إحقاق الحق» وتضمن عدم الإضرار بالأسر والأبناء، مع مراعاة الحالات الاستثنائية بمرونة شرعية وعدالة مؤسسية، وعدم تحميل الأم وحدها مسؤولية كانت من صميم واجب الأب.
وبذلك، يرسّخ الطرح أن النفقة حقٌ للأبناء وواجبٌ على الأب، وأن دور الأم في حال الانفصال لا يُلغي مسؤولية الأب، بل يعكس التعاون والإحسان حتى تستقر حياة الأبناء وتتحقق مقاصد الشريعة في حفظ الأسرة والعدالة الاجتماعية.

التعليقات